أخرج أبو داود في سننه (كتاب الجهاد، باب في الأسير يُكره على الإسلام، حديث رقم ٢٦٨٢)، والنسائي في المجتبى (رقم ٨٦١٨)، وابن حبان في صحيحه (رقم ١٣٨)، والحاكم في المستدرك (ج٢، ص٥٨٠) وصححه ووافقه الذهبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت المرأة من الأنصار في الجاهلية لا يكاد يعيش لها ولد، فتحلف لئن عاش لها ولد لتُهَوِّدَنَّهُ (أي تجعله يهودياً تبركاً بزعمهم)، فلما أُجليت بنو النضير من المدينة (قبيلة اليهود) كان فيهم أناس من أبناء الأنصار قد هُوِّدوا، فقال آباؤهم الأنصار: لا ندع أبناءنا يذهبون مع اليهود! وأرادوا إكراههم على الإسلام؛ فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، فخيّرهم رسول الله ﷺ فمن اختار اللحاق باليهود لحق بهم ومن اختار الإسلام أسلم.
وروى ابن جرير الطبري (ج٥، ص٤١٤)مصدر غير محدد٥/٤١٤ عن ابن عباس في رواية أخرى: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له "الحصين" كان له ابنان نصرانيان، وكان هو مسلماً، فقال للنبي ﷺ: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله هذه الآية.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج أحمد في المسند (رقم ١٢٠٥٦) بإسناد صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «أسلم»، قال: أجدني كارهاً، قال: «أسلم وإن كنتَ كارهاً»، والمعنى: أدخل في الإسلام فإنك إذا تذوقت حلاوته انشرح صدرك وزالت الكراهة.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج أحمد وابن جرير عن مجاهد والشعبي في معنى ﴿الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ قالا: «هي لا إله إلا الله، والإيمان الحق والقرآن»، وقال ابن مسعود: «العروة الوثقى: الإسلام».
*سننه* (كتاب الجهاد، باب في الأسير يُكره على الإسلام، حديث رقم ٢٦٨٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٨٢*المستدرك* (ج٢، ص٥٨٠)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٥٨٠*المجتبى* (رقم ٨٦١٨)المجتبىالنسائيحديث رقم ٨٦١٨*المسند* (رقم ١٢٠٥٦)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ١٢٠٥٦صحيح*صحيحه* (رقم ١٣٨)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٨
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
إِكْرَاهَ
الإكراه: حمل الإنسان على أمر يكرهه ولا يختاره بالقهر والإلزام والقسر.
الرُّشْدُ
الرُّشْد والرَّشَد: الاستقامة على طريق الحق، وصحة العقل والتمييز والهدى.
الْغَيِّ
الضلال والانحراف والتردي في الباطل وخيبة المسعى؛ ضد الرشد.
بِالطَّاغُوتِ
فَعَلُوت من الطغيان وهو مجاوزة الحد؛ والطاغوت: كل ما عُبد من دون الله وهو راضٍ، ويشمل الشيطان، والأصنام، وكل من حكم بغير ما أنزل الله متبعاً لهواه.
الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
العروة في الأصل: ما يُعلق به الشيء كعروة الكوز وممسك الدلو والحبل؛ والوثقى: مؤنث الأوثق؛ وهي شديدة الإحكام والمتانة التي لا تنقطع.
لَا انْفِصَامَ لَهَا
الانفصام: الانقطاع والتشقق والانكسار؛ يقال: انفصم الحبل إذا انقطع.
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ
﴿لا﴾ نافية للجنس، ﴿إكراه﴾ اسمها مبني على الفتح، ﴿في الدين﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، والجملة خبرية لفظاً إنشائية معنى تفيد النهي القطعي عن إكراه أحد على اعتناق الإسلام.
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿تبين﴾ فعل ماضٍ، ﴿الرُّشْدُ﴾ فاعل مرفوع، ﴿من الغي﴾ متعلق بتبين، والجملة تعليلية لا محل لها.
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
الفاء تفريعية، ﴿من﴾ اسم شرط جازم مبتدأ، ﴿يكفر﴾ فعل الشرط مجزوم، ﴿بالطاغوت﴾ متعلق بيكفر.
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ
معطوف على يكفر مجزوم.
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
الفاء رابطة لجواب الشرط، ﴿قد﴾ تحقيق، ﴿استمسك﴾ فعل ماضٍ وفاعله مستتر، ﴿بالعروة﴾ متعلق باستمك، ﴿الْوُثْقَى﴾ نعت مجرور بالكسرة المقدرة للتعذر، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
لَا انْفِصَامَ لَهَا
جملة نفي الجنس في محل نصب حال من العروة الوثقى مؤكدة لوثاقتها؛ لا واسمها وخبرها.
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
ختام مقرر بالسمع والعلم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
اتصال عقلي ومعنوي فريد مع آية الكرسي؛ فلما جلّى الله تعالى في آية الكرسي دلائل توحيده، وعظمة سلطانه، وكمال حياته وقيوميته وبسطة كرسيه، صار الحق أبلج واضحاً كالشمس في رابعة النهار؛ فلما تبين الرشد من الغي لم يبقَ موجب ولا مسوغ لإكراه أحد على الدخول في الدين؛ فالإيمان طمأنينة قلبية وتصديق باطن لا يتحقق بالقسر والإكراه.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
تقديم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾؛ لأن التخلية تسبق التحلية، فلا يصح الإيمان بالله حتى يُخلع الشرك وتُهدم الأنداد؛ ككلمة التوحيد: بدأت بالنفي "لا إله" ثم الإثبات "إلا الله".
وصف العروة بـ ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ لطمأنة المستمسك بدين الله بأنه معتصم بركن وثيق لا يضل متبعه ولا يشقى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أصل حرية الاعتقاد ودحض فرية "انتشار الإسلام بالسيف":
تمثل هذه الآية الصريحة المحكمة حجر الزاوية في المنظومة الحقوقية الإسلامية؛ فالإسلام يرفض رفضاً باتاً إكراه أي إنسان على الدخول فيه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾؛ لأن الإيمان محله القلب، والإكراه لا يولد إلا نفاقاً ونكوصاً، والقتال في الإسلام إنما شُرع لرد العدوان ودفع الظلم وحماية حرية الدعوة وتبديد الحواجز الاستبدادية التي تحول بين الشعوب وسماع الحق، فإذا بلغت الرسالة وخلي بين الناس والقرآن فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
رد دعوى نسخ الآية:
زعم بعض المفسرين أن الآية منسوخة بآيات القتال وسورة التوبة؛ ورد المحققون هذا الزعم رداً حاسماً؛ فالآية محكمة باقية الحكم؛ لأنها خبر في معنى النهي يقرر أصلاً عقلياً: أن الإكراه لا يصنع إيماناً، ولأن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين أقروا أهل الأديان (اليهود والنصارى والمجوس) على أديانهم بالجزية ولم يكرهوا أحداً على الإسلام قط.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
الاستعارة التمثيلية الرائعة في قوله ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾؛ حيث شبّه الإيمان الخالص بالله والكفر بالطاغوت بحبل وثيق متين متصل بركن عظيم شاهق في سفينة النجاة، من تمسك به أمِن الغرق والتردي في الهاوية.
إيثار صيغة ﴿اسْتَمْسَكَ﴾ بزيادة السين والتاء الدالة على شدة الطلب والحرص البالغ على لزوم الحق والاعتصام به.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين (ج١، ص١٤٨): «جعل الله الدين رشداً والشرك غياً، وأقام على الرشد من البينات والدلائل ما جعله غنياً عن الإكراه؛ فالإكراه إنما يلجأ إليه من كان دينه باطلاً مظلماً لا يقبله العقل إلا بالقهر، أما دين الإسلام فهو النور والبرهان فإذا تجلى للعقول قبلته باختيارها ورضاها».
*إعلام الموقعين* (ج١، ص١٤٨)إعلام الموقعين عن رب العالمينابن القيم١/١٤٨
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
ترسيخ أدب الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن بعيداً عن القهر والفظاظة.
البراءة الصريحة من كل طواغيت العصر: من التشريعات الوضعية المخالفة لشرع الله، والثقافات الإلحادية والمادية الفاسدة.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٧٤): «قاعدة كبرى من قواعد المنهج الإلهي في الأرض: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾... إن كرامة الإنسان في المنظور القرآني تقتضي أن يكون اختياره حراً واعياً... فإذا استمسك بالعروة الوثقى فقد وضع قدمه على الصراط المستقيم الذي لا يضل سالكه».
الدلائل والإشارات:
تقرير المبدأ الإلهي المحكم في تحريم إكراه أحد على الدخول في الإسلام: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
وضوح دلائل التوحيد واستبانة طريق الهدى من الضلال: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
وجوب تقديم الكفر بالطاغوت والبراءة من الشرك على الإيمان بالله.
تمثيل الإسلام بالرابطة الوثيقة المحكمة التي لا يعتريها انقطاع ولا زوال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.