أخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (الرقم: 2814)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨١٤ وابن جرير في «جامع البيان» (6/8)جامع البيانالطبري٦/٨ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ قال: «ذلك حين يبعثون من قبورهم يوم القيامة، يُبعث آكل الربا مجنوناً يُخنق؛ عقوبة له وشهرة لذنبه بين الخلائق».
وجاء في «صحيح البخاري» كتاب البيوع (الرقم: 2085)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٨٥ ومسلم (الرقم: 1598)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٩٨ من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ».
وأخرج البخاري في «صحيحه» (الرقم: 7047)مصدر غير محددحديث رقم ٧٠٤٧ في حديث الرؤيا الطويل لسمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسبح في نهر من دم، وعلى شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، فإذا أراد السابح أن يخرج رماه بحجر في فيه فرده حيث كان، فسأل عنهما فقيل له: «الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهْرِ آكِلُ الرِّبَا».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿الرِّبَا﴾: رسمت بالواو في المصاحف العثمانية (الربوا)، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بإمالة الألف، وقرأ ورش بين اللفظين (التقليل)، وقرأ الجمهور بالفتح المحض.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾: تذكير الفعل ﴿جَاءَهُ﴾ لأن تأنيث «موعظة» مجازي، ولفصل المفعول به بين الفعل وفاعله. وقرأ الحسن البصري: ﴿فَمَنْ جَاءَتْهُ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: المد المتصل في ﴿فَأُولَئِكَ﴾ والمنفصل في ﴿فِيهَا﴾ بحسب مراتب القراء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
يَأْكُلُونَ الرِّبَا: الأكل هنا مجاز مرسل عن مطلق الأخذ والانتفاع والاستيلاء؛ وعُبِّر بالأكل لأنه أظهر مقاصد تحصيل الأموال وأعظم وجوه الانتفاع الحسي في الإنسان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾.
الرِّبَا: مأخوذ من ربا يربو إذا زاد ونما وعلا، وفي الاصطلاح الشرعي: الزيادة المشروطة في المعاوضة المالية بغير عوض مقابل، أو تأجيل الأداء مع زيادة العوض (ربا النسيئة وربا الفضل).
يَتَخَبَّطُهُ: التخبط هو الضرب على غير استواء، وأصله من خَبَطَ البعيرُ بيده إذا وطئ الأرض عشوائياً بلا بصيرة، واستعمل للصرع والجنون لأن الشيطان إذا مس الإنسان أفسد حركته فصار يترنح ويسقط ويثب.
الْمَسِّ: الجنون والصرع، يقال: به مسٌّ من جنون، وأصله من مس اليد ثم استعير لإصابة الشيطان وإفساده للإدراك العقلي الحسي.
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا: قياس فاسد عكسي مقلوب؛ وكان مقتضى حجتهم الباطلة أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع فكيف تحرمونه، ولكنهم قلبوا القياس مبالغة في اعتبار الربا أصلاً مسلماً في تحقيق الربح والنماء، حتى جعلوا البيع فرعاً مشبهاً به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الكبرى بين نظام الصدقات ونظام الربا:
في الآيات السابقة (261 - 274) فصّل القرآن نظام الإنفاق القائم على الإيثار، والعطاء بلا مقابل، وحفظ كرامة الفقراء، ومضاعفة الأجر الإلهي.
وهنا في الآية (275) فضح القرآن نظام الربا القائم على الأثرة، وامتصاص دماء المحتاجين، والجشع، واستغلال اضطرار البؤساء لجني أرباح خبيثة بلا جهد ولا مخاطرة؛ ليتجلى البون الشاسع بين هدي الرحمن وشرك الشيطان.
رد القياس الفاسد بتقرير الحاكمية الإلهية:
لم يناقش القرآن تفاصيل قياسهم الباطل بجدل عقيم، بل حسم القضية بالحكم الشرعي القاطع: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾؛ لتقرير أن التحليل والتحريم حق خالص لرب العالمين، وأن الحكمة تابعة للأمر الإلهي؛ فالبيع مبادلة عادلة بين سلعة ومال فيها نفع متبادل ومخاطرة تجارية مشروعة، بينما الربا كسب ظالم قائم على ابتلاع أموال الناس بالباطل بغير عوض مكافئ.
زعمت الجاهلية قديماً: "الزيادة في آخر الأجل كالزيادة في أول العقد عند البيع"، ويزعم الاقتصاديون الرأسماليون حديثاً: "الفائدة الربوية هي ثمن الزمن وعائد رأس المال".
المحاكمة العقلية والاقتصادية والشرعية:
فارق المخاطرة والغرم: في البيع الحقيقي يدخل التاجر في ضمان السلعة ومخاطر السوق (التلف، والكساد، ونزول الأسعار)، فيستحق الربح بقاعدة «الخراج بالضمان» و«الغنم بالغرم»، بينما المرابي يشترط زيادة ربوية مؤكدة ومضمونة على رأس ماله دون أدنى مخاطرة، ملقياً بالخسارة كلها على المدين الضعيف.
فارق النشاط الإنتاجي: البيع يحرك عجلة الإنتاج، وينقل السلع من مواطن وفرتها إلى مواطن حاجتها، ويشغل الأيدي العاملة، بينما الربا يركز الثروة في أيدي فئة قليلة من المرابين ويحبس الأموال عن المشاريع الحقيقية المنتجة.
البعد الإنساني والأخلاقي: البيع يخدم حاجة المجتمع، والربا يستغل اضطرار المعوزين فيزيد الفقير فقراً ويراكم عليه الديون حتى تغرقه في الإفلاس والعبودية المالية.
شبهة خلود آكل الربا في النار ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
التحقيق العقدي عند أهل السنة والجماعة: بين المحققون (كابن جرير وابن كثير والقرطبي) أن الخلود في الآية يتنزل على حالتين:
من استحل الربا وزعم أنه حلال كفر واستحل ما علم تحريمه من الدين بالضرورة، فهذا خالد خلوداً أبدياً في النار لكفره وردته وردِّه لقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.
من أكل الربا معتقداً تحريمه لغلبة الهوى والحرص فهو مرتكب لكبيرة مهلكة، والخلود في حقه هو المكث الطويل المستمر في العذاب، أو هو جزاؤه المستحق لو جوزي بعدله لولا فضل التوحيد والشفاعة التي تخرج أهل الكبائر من النار.
مشهد آكل الربا وهو يتخبط ويترنح يوم القيامة كالمصروع مشهد خزاي وفضيحة عظمى على رؤوس الأشهاد؛ لأن حركته الطائشة في قبود الربا في الدنيا وامتصاصه لأموال الناس جعلت بطنه متضخماً مثقلاً بالذنوب، فصار كلما نهض سقط وصرع.
رحمة الشريعة وعدم المؤاخذة بأثر رجعي في ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾:
عدل إلهي في عدم محاسبة التائب عما قبضه قبل بلوغ التحريم؛ تيسيراً لقبول التوبة وإغلاقاً لأبواب اليأس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
وجوب التوبة الفورية من المعاملات الربوية:
على كل مسلم تورط في عقود ربوية أو فوائد بنكية أو قروض تجارية أن يبادر إلى فسخها والتخلص من الفوائد في وجوه الخير، ويكتفي برأس ماله سالماً.
بناء الاقتصاد الإسلامي البديل:
فريضة الوقت على الأمة وعلمائها واقتصادييها تأسيس المعاملات المالية على قواعد المشاركة، والمضاربة، والسلم، والإجارة المنتهية بالتمليك، وتطهير المصارف من شوائب الربا الخفية والحيل الباطلة.