أخرج ابن جرير الطبري (5/582)مصدر غير محدد٥/٥٨٢ وابن أبي حاتم (الرقم: 2774)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٧٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: «جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الدين».
وجاء في «الصحيحين» (البخاري: 1423، مسلم: 1031) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «... وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: ﴿فَنِعِمَّا﴾ بكسر النون والعين وتشديد الميم، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بكسر النون وإسكان العين مع تخفيف الاختلاس، وقرأ أبو جعفر بفتح النون وكسر العين وتشديد الميم: ﴿فَنَعِمَّا هِيَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر بالياء وضم الراء على الاستئناف: ﴿وَيُكَفِّرُ﴾، وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب بالجزم عطفاً على محل جواب الشرط: ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾، وقرأ أهل المدينة وعاصم في رواية بالنون: ﴿وَنُكَفِّرُ﴾ بالضم أو الجزم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
إِنْ تُبْدُوا: الإبداء هو الإظهار والإعلان للعيان، يقال: بدا الشيء إذا ظهر وانكشف.
فَنِعِمَّا هِيَ: مركب من «نِعْمَ» فعل المدح، و«ما» وهي نكرة موصوفة في موضع نصب على التمييز، أو موصولة، والضمير «هي» مخصوص بالمدح، والمعنى: فنعم الشيء ونعم الخصلة إبداؤها.
تُخْفُوهَا: الإخفاء هو الستر والكتمان عن أعين الناس بحيث لا يطلع عليها إلا المعطي والآخذ ورب العالمين.
وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ: التكفير مشتق من الكفر وهو الستر والتغطية، أي يستر ذنوبكم ويمحوها، و«مِنْ» هنا للتبعيض؛ لأن الصدقات تكفر الصغائر، أما الكبائر فتحتاج إلى توبة نصوح مستقلة عند جمهور المحققين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الموازنة التربوية بين الإعلان والإسرار في العبادات المالية:
شرع القرآن لكلا المسلكين فضله ومشروعيته وفق مقاصد الشريعة:
الإعلان: ممدوح ومأجور ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾؛ لأنه يحيي سنة الاقتداء، ويدفع تهمة البخل، ويشجع الموسرين على البذل، لا سيما في الزكاة المفروضة والمشاريع الكبرى.
الإسرار: هو الأفضل والأكمل ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لأنه أبعد عن شوائب الرياء، وأصون لكرامة الفقير وعزة نفسه.
خبير بالبواعث والدوافع الكامنة وراء الإعلان أو الإخفاء؛ فمن أعلن ليرائي علم الله خبيئته، ومن أعلن ليقتدى به أثابه الله، ومن أسر خوفاً من الرياء كتب له الأجر العظيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعارض الأفضلية بين الإعلان والإسرار:
التفصيل والتحقيق الأصولي: قرر المحققون كالإمام الغزالي في «الإحياء» والنووي في «المجموع» أن المفاضلة نسبية تدور مع المقاصد والنيات:
صدقة الفريضة (الزكاة): إظهارها أفضل دفعاً للتهمة، واقتداءً بالهدي النبوي في إرسال السعاة وجباية الزكاة جهراً.
صدقة التطوع (النافلة): إخفاؤها أفضل قطعاً لسلامة الإخلاص وتطييب قلب الفقير، إلا لعالم أو قدوة يقصد استنهاض همم الناس في نائبة عامة دون أن يدخله الرياء.
التقييد الدقيق في ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ عند الإخفاء:
لما ذكر الإخفاء زاد قيداً لم يذكره عند الإبداء: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾؛ تنبيهاً على أن كمال فضل السر يتحقق بإيصال الصدقة مباشرة إلى يد المحتاج المتعفف، صيانة له من ذل السؤال وتجريح مشاعره.
بلاغة التبعيض في ﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾:
إشارة إلى أن الصدقة وإن عظمت لا تعفي صاحبها من التوبة من مظالم العباد وحقوقهم؛ فحقوق الآدميين لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء، وحسنات الصدقة تكفر ما بين العبد وربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تربية النفس على أعمال السر والخبيئة الصالحة:
ينبغي للمسلم أن يجعل بينه وبين ربه خبيئة من عمل صالح لا يعلمها زوج ولا ولد، ومن أعظم ذلك الصدقة السرية التي تطفئ غضب الرب.
الحكمة الدعوية في إبراز النماذج الصالحة:
مشروعية الإعلان عن التبرعات في الحملات الإغاثية وبناء المساجد إذا قصد المنفق تشجيع الآخرين وكسر حاجز الشح في المجتمع، مع المجاهدة المستمرة لحفظ نية الإخلاص.