أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، حديث رقم ٤٥٢٩، وكتاب النكاح، باب من قال لا نكاح إلا بولي، حديث رقم ٥١٣٠) والترمذي في جامعه (رقم ٢٩٨١) وصححه، عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: كانت لي أخت (جميلة بنت يسار) فخطبها إليّ ابن عم لها (عاصم بن عدي أو أبو البداح)، فأنكحتها إياه، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها طلقة رجعية ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، فلما خطبها الناس خطبها مع الخطاب، وكان يحبها وتحبه، فقلت له: يا لكع، خطبتها إليّ فأنكحتك وأكرمتك بها فطلقتها، ثم جئت تخطبها مع الخطاب! والله لا أزوجكها أبداً! قال: وعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى زوجها، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فلما نزلت دعا رسول الله ﷺ معقل بن يسار فقرأها عليه، فقال معقل: سمعاً لربي وطاعة! ثم دعاه فزوجه إياها، وكفّر عن يمينه.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج الترمذي في جامعه (رقم ١١٠١)، وأبو داود (رقم ٢٠٨٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٨٥، وابن ماجه (رقم ١٨٨١)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٨١ وصححه ابن حبان والحاكم، من حديث أبي موسى الأشعري وعائشة رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «لا نكاح إلا بولي»، وهذا الحديث مع هذه الآية أصرح حجة استدل بها الجمهور على اشتراط الولي في النكاح.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث فضيلة الانقياد لأمر الله وكفارة اليمين عند معقل بن يسار: أخرجه ابن جرير الطبري (ج٤، ص٤٧٠)مصدر غير محدد٤/٤٧٠صحيح بإسناد صحيح، وفيه علو شأن الصحابة رضي الله عنهم في سرعة الامتثال للوحي بمجرد نزوله وترك حمية الجاهلية وكبريائها.
*جامعه* (رقم ٢٩٨١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٨١*جامعه* (رقم ١١٠١)مصدر غير محددحديث رقم ١١٠١
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
البلوغ هنا حقيقي تام بانقضاء العدة وخروج المرأة من عصمة الزوج وانفصالها عنه؛ بدليل تسمية الخطبة نكاحاً جديداً واشتراط رضا الطرفين.
فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
العَضْل في أصل اللغة: التضييق والمنع والشدة؛ يقال: عضلت المرأة إذا ضيقت عليها ومنعتها من التزويج؛ وأصل المادة يدل على الصلابة والضيق، ومنه عضلة اللحم لصلابتها. والخطاب للأولياء من الآباء والإخوة والعصبات.
أَزْوَاجَهُنَّ
سُمي الخاطب زوجاً باعتبار ما كان أو باعتبار ما سيكون بعد العقد الجديد.
بِالْمَعْرُوفِ
بمقتضى الشريعة والعقد الصحيح والمهر الرضائي بعيداً عن التدليس والإكراه.
أَزْكَى
من الزكاة وهي النماء والطهارة والبركة في الدين والدنيا.
وَأَطْهَرُ
أطهر للقلوب والنفوس من وساوس التطلع المحرم ومقدمات الفواحش.
جملة شرطية نظير السابقة؛ ولكن البلوغ هنا تام بانقضاء العدة.
فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
الفاء واقعة في جواب إذا، ﴿لا﴾ ناهية جازمة، ﴿تعضلوهن﴾ مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل وهو موجه للأولياء، والهاء مفعول به.
أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ
﴿أن﴾ مصدرية ناصبة، ﴿ينكحن﴾ مبني على السكون في محل نصب بأن والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف متعلق بتعضلوهن (أي عن أن ينكحن)، ﴿أزواجهن﴾ مفعول به ومضاف إليه.
﴿ذلك﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يوعظ به﴾ خبره، ﴿من﴾ نائب فاعل لـ ﴿يوعظ﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلته.
ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ
مبتدأ وخبران؛ ﴿أزكى﴾ و﴿أطهر﴾.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
استئناف حاسم بحصر العلم المطلق لله تعالى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن نهى الأزواج في الآية السابقة عن مضارة المطلقات بإمساكهن في آخر العدة، وجّه الخطاب هنا إلى أولياء النساء (الآباء والإخوة) فنهاهم عن ممارسة نوع آخر من الظلم والتعنت وهو "العضل" ومنع المرأة من الرجوع إلى زوجها السابق إذا ندم الطرفان وتراضيا على الزواج من جديد؛ فحمى القرآن المرأة من ظلم الزوج ومن تحكم الولي على السواء.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التعليل الأخلاقي والاجتماعي العميق: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾؛ فالجمع بين الزوجين المتراضيين اللذين ما زالت بينهما مودة وميل نفسي أزكى للنفوس وأطهر للأعراض من التفريق بينهما بدافع الكبرياء؛ لأن التفريق قد يجر إلى الفتنة والوقوع في الحرام.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
استدلال أئمة الفقه بالآية على اشتراط الولي في النكاح:
استدل جمهور الفقهاء (الشافعي ومالك وأحمد وجماهير أهل الحديث) بهذه الآية على أن عقد النكاح لا يصح إلا بولي؛ ووجه الدلالة القاطع:
أن الله تعالى وجّه النهي عن العضل للأولياء: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، ولو كان للمرأة أن تزوج نفسها بغير إذن وليها لما كان لعضل الولي معنى، ولما احتيج إلى نهيه؛ إذ كان بإمكانها أن تعقد لنفسها دون الالتفات لاعتراض أخيها معقل بن يسار.
صريح سبب النزول في قصة معقل بن يسار؛ حيث حلف ألا يزوجها، فأنزل الله الآية ولم يقل النبي ﷺ لأخته: "اذهبي فزوجي نفسك"، بل دعا معقلاً وأمره أن يزوجها هو فامتثل.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن للمرأة البالغة الرشيدة أن تزوج نفسها ولو بغير إذن وليها إذا تزوجت كفؤاً بمهر المثل، ورجح المحققون مذهب الجمهور لصراحة الآية وصحة حديث «لا نكاح إلا بولي».
محاربة الحمية الجاهلية والعضل القسري:
تكشف الآية رذيلة مجتمعية متكررة؛ وهي استبداد بعض الأولياء بكرامة بناتهم وأخواتهم، واستعمال حق الولاية للانتقام الشخصي والتشفي من الزوج السابق ولو كان في ذلك تدمير لمصلحة المرأة ورغبتها المشروعة؛ فأعلن الإسلام أن العضل محرم، وأن حق الولي مقيد بتحقيق مصلحة موليته لا باتباع كبريائه.
الالتفات الإعجازي من خطاب الأزواج في مطلع الآية ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى خطاب الأولياء في ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾؛ لبيان تشابك المسؤوليات المجتمعية وتكاملها في حماية المرأة.
إيثار صيغة التفاعل في قوله ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ﴾؛ للدلالة على أن الرضا المتبادل التام القائم على الاختيار الحر هو جوهر النكاح السعيد وسر استقراره.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
روعة الموقف الإيماني لمعقل بن يسار رضي الله عنه: كان رجلاً عربياً أغلظت له الأنفة قوله، لكنه بمجرد أن سمع آية القرآن تخاطبه، نكس رأسه خاشعاً لربه وقال: «سمعاً لربي وطاعة»، فكفّر عن يمينه وزوجها؛ وتلك هي العلامة الفارقة لجيل الإيمان الفريد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
كف الأولياء عن عضل بناتهم وأخواتهم، وتيسير سبل الزواج لمن ترضى دينه وخلقه وتوافقت رغبتها معه.
تقديم المصلحة الشرعية والنفسية للزوجين على الأعراف العشائرية والحميات الجاهلية البائدة.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٣٦): «إنها التربية الربانية التي تنتزع جذور الجاهلية وكبرياء الأنساب من نفوس الصحابة... معقل بن يسار ذو الأنفة العربية يقف طائعاً مستسلماً لمجرد أن سمع نداء ربه، فيزوج أخته لمن كان قد أقسم ألا يزوجه إياه أبداً؛ ذلك لأن سلطان العقيدة في القلوب المسلمة كان يعلو على كل سلطان».
الدلائل والإشارات:
تحريم عضل الأولياء لمولياتهم ومنعهن من الزواج بمن يرغبن فيه بالمعروف: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
دلالة الآية الصريحة على اشتراط الولي في صحة عقد النكاح.
مشروعية عودة المطلقة بائناً بينونة صغرى إلى زوجها السابق بعقد ومهر جديدين ورضا الطرفين: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
التقرير بأن امتثال أوامر الله في الزواج والمعاشرة نماء وبركة وطهارة للنفوس والأعراض: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾.
وجوب تقديم علم الله وحكمته التشريعية على تقديرات البشر وأهوائهم القاصرة: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.