أخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (الرقم: 2795)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٩٥ وابن جرير (5/606)مصدر غير محدد٥/٦٠٦ عن ابن عباس ومجاهد والسدي أن هذه الآية نزلت في «أهل الصُّفَّةِ»، وهم نحو من أربعمائة رجل من المهاجرين الذين لا أهل لهم ولا مال ولا تجارة، حبسوا أنفسهم على ملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيل الله وطلب العلم، وكانوا يأوون إلى صفة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة.
وجاء في «الصحيحين» (البخاري: 1476، مسلم: 1039) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ»، واقرؤوا إن شئتم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: أعجبوا للفقراء، أو الصدقات كائنة للفقراء، أو مبتدأ مؤخر، والهمزة فيها المد المتصل الواجب عند الجميع.
قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وخلف بفتح السين المهملة: ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾، وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بكسر السين: ﴿يَحْسِبُهُمُ﴾، وهما لغتان فصيحتان في مضارع حسِب.
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الإحصار هو المنع والحبس، وأحصروا في سبيل الله أي حبسوا أنفسهم ومنعهم الاشتغال بالجهاد، والمرابطة للعدو، وملازمة العلم والدعوة عن التفرغ لطلب المعاش والتجارة.
ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ: الضرب في الأرض هو السير فيها للتجارة وطلب الرزق، مأخوذ من ضرب الأقدام على الأرض.
التَّعَفُّفِ: العفة هي الكف والامتناع عن القبيح وعما لا يحل، والتَّعَفُّف تفعُّل يدل على تكلف العفة ومجاهدة النفس على إظهار التجمل والاستغناء وستر الفاقة حتى لا يفطن الناس لحاجتهم.
بِسِيمَاهُمْ: السيما هي العلامة والدلالة الظاهرة، والمراد بها أثر الفقر والجهد على أبدانهم ورثاثة ثيابهم الظاهرة مع وقار الخشوع والسكينة والكرامة.
إِلْحَافًا: الإلحاف هو الإلحاح واللجاج في السؤال والمسألة الشديدة التي لا تترك للمسؤول مجالاً للرد، مأخوذ من اللِّحاف لأنه يشمل الإنسان ويغطيه تماماً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحديد المصرف الأسمى والأشرف للصدقات:
بعد أن رغب القرآن في الإنفاق عموماً وبيّن آدابه، وجّه الأنظار إلى أعظم الفئات استحقاقاً للإكرام والإعطاء: وهم المجاهدون والعلماء وطلبة العلم والفقراء المتعففون الذين حبسهم حبس الواجب الشرعي عن التكسب والضرب في الأرض.
التدرج الدقيق في رسم معالم نفسية المتعفف:
الحالة الموضوعية: محصورون في سبيل الله عاجزون عن الضرب في الأرض.
المظهر السلوكي العام: التعفف والتجمل حتى يظن الجاهل بحالهم أنهم أغنياء.
الفراسة الإيمانية في كشفهم: معرفتهم بالسيما ودلائل الصبر.
نفي السؤال نهائياً: عزة النفس واستغناؤهم بالله عن استجداء الخلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل يفهم من قوله ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أنهم يسألون بلا إلحاف؟:
التحقيق اللغوي والبلاغي الحاسم: أجمع أئمة التفسير واللغة (كالزجاج، والرازي، وأبو حيان، وابن عطية) على أن النفي هنا نفي لأصل السؤال ابتداءً بطريق المبالغة ونفي اللازم لنفي الملزوم؛ أي لا سؤال منهم أصلاً حتى يوصف بإلحاف، كما يقال في كلام العرب: "فلان لا يظلم نملة"، والمراد نفي الظلم مطلقاً لا أنه يظلم ما فوق النملة. ويؤيد ذلك صدر الآية: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾، فلو كانوا يسألون الناس ولو بلطف لما حسبهم الجاهل أغنياء.
الجاهل هنا هو الجاهل بحقيقتهم وبواطن أحوالهم، لا الجاهل ضد العاقل؛ لأن روعة تعففهم وسمت وقارهم تخدع الناظر العابر السطحي الذي لا يتفرس في الوجوه.
إسناد المعرفة لأهل البصيرة ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾:
خطاب للمؤمن الفطن الصادق الذي ينظر بنور الله؛ فيرى أثر الجوع في شحوب الوجه، وأثر الحاجة في قدم الثوب، مع عفة اللسان وعزة الطبع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
واجب الأمة نحو المتفرغين للعلم والجهاد والدعوة:
تؤصل الآية لمسؤولية المجتمع المسلم والدولة في كفالة العلماء وطلبة العلم والمرابطين في الثغور؛ ليفرغوا طاقاتهم لحماية الدين وثغور الأمة دون أن تكسرهم أعباء الحاجة المعيشية.
البحث والتنقيب عن المتعففين:
ينبغي لأهل الخير وأرباب الأموال ألا يكتفوا بإعطاء من يطرق أبوابهم ويلح في مسألتهم، بل الواجب الشرعي والأخلاقي يقتضي البحث عن العائلات المستورة والمتعففين وإيصال الصدقات إليهم في عقر دارهم بإكرام وإجلال تام.