أخرج ابن أبي حاتم (الرقم: 2755)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٥٥ وابن جرير في «جامع البيان» (5/571)جامع البيانالطبري٥/٥٧١ وصححه الحاكم (2/285)مصدر غير محدد٢/٢٨٥ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال: «المعرفة بالقرآن: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله».
وروى وكيع في «الزهد» وابن جرير عن مجاهد قال: «الحكمة: الإصابة في القول والعمل، والفهم في القرآن والعمل به».
وعن الحسن البصري وقتادة: «الحكمة: الفقه في الدين، والورع في محارم الله».
وجاء في «صحيح البخاري» (الرقم: 73)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٧٣ ومسلم (الرقم: 816)مصدر غير محددحديث رقم ٨١٦ من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾: قرأ القراء العشرة بفتح التاء على البناء للمجهول مجزوماً بحذف الألف: ﴿يُؤْتَ﴾، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو، و﴿الْحِكْمَةَ﴾ مفعول به ثانٍ. وقرأ الحسن البصري ويعقوب في رواية: ﴿وَمَنْ يُؤْتِ﴾ بكسر التاء مبنياً للفاعل أي الله سبحانه.
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الْحِكْمَةَ: مشتقة من «حَكَمَةِ اللِّجام» وهي الحديدة التي توضع في فم الدابة فتمنعها من الاضطراب والجموح، فالحكمة هي المعرفة الصادقة المانعة من الجهل وسفه النفس، وهي وضع الشيء في موضعه الصحيح وإصابة الحق بالقول والعمل.
خَيْرًا كَثِيرًا: نكر «خيراً» ونعته بـ «كثيراً» لإفادة السعة المطلقة والفضل العظيم الذي لا يدانيه متاع دنيوي زائل؛ لأن الحكمة تملك صاحبها ميزان النجاة في الدنيا والآخرة.
أُولُو الْأَلْبَابِ: الألباب جمع لُبّ، ولُبّ كل شيء خالصه ونقيه، ولُبّ الإنسان عقله الراجح الصافي من شوائب الهوى ورواسب الأوهام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مناسبة ذكر الحكمة عقب آيات الإنفاق والصدقة:
مناسبة دقيقة بالغة اللطافة: فإن معرفة فضل الإنفاق، واجتناب المن والأذى، واختيار المال الطيب دون الخبيث، والتمييز بين وعد الله ووعد الشيطان، كل ذلك يحتاج إلى بصيرة نافذة وحكمة عقلية وعلمية راسخة؛ فالأحمق البخيل يرى الجمع غنماً والإنفاق غرماً، أما الحكيم فيرى الإنفاق هو الربح الحقيقي والادخار الدائم عند الله.
التنويه بشأن العقل والتذكر:
ختم الآية بقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قصر للتذكر والانتفاع على أصحاب العقول الحية الصافية، وتنبيه إلى أن مدار الهداية على إعمال العقل في تدبر آيات الكتاب وأحكامه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة حصر الحكمة في الفلسفات النظرية:
المحاكمة العقلية والشرعية: بين أئمة الإسلام كابن تيمية في «الرد على المنطقيين» وابن القيم في «مدارج السالكين» أن الحكمة في لسان القرآن ليست هي التخرصات الفلسفية المجردة التي لا تورث إيماناً ولا عملاً، بل الحكمة القرآنية هي العلم النافع المقترن بالعمل الصالح، وفهم مراد الله والتحلي بمكارم الأخلاق، ووضع كل أمر في نصابه الشرعي.
حُذف الفاعل للعلم به؛ فالواهب الحقيقي للحكمة هو الله وحده، وفي ذلك إيماء إلى أن الحكمة هبة إلهية وفضل رباني لا تنال بمجرد الذكاء الفطري دون توفيق ونور من الله.
المقابلة بين القليل الدنيوي والكثير الأخروي:
سمى الله متاع الدنيا كله «قليلاً» فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، وسمى الحكمة وفهم القرآن ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾؛ ليدرك العاقل أي العطايا أحق بالطلب والحرص.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
دعاء الله وسؤاله الفهم والحكمة:
ينبغي للداعية وطالب العلم أن يلح على الله في طلب الحكمة والفقه في الدين، تأسياً بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ».
الاتزان في معالجة القضايا والنزاعات:
الحكمة تثمر لصاحبها السكينة، والتروي، وحسن التصرف، والرفق في الدعوة، فلا يقدم حيث يجب الإحجام، ولا يحجم حيث يجب الإقدام.