أخرج ابن جرير الطبري في «تفسيره» (6/52)مصدر غير محدد٦/٥٢ وابن أبي حاتم (الرقم: 2828)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٢٨ والواحدي في «أسباب النزول» عن ابن عباس وعكرمة ومقاتل والسدي قالوا: «نزلت هذه الآية في ثقيف (بني عمرو بن عمير بن عوف)، وفي بني المغيرة من قريش؛ وكان لبني عمرو بن عمير ديون ربا على بني المغيرة في الجاهلية، فلما فتحت مكة وأسلم الفريقان طالب بنو عمرو بديونهم الربوية، فامتنع بنو المغيرة وقالوا: لا ندفع الربا في الإسلام وقد وضعه الله ورسوله، فرفع الأمر عتاب بن أسيد أمير مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فقال بنو عمرو: تبنا إلى الله وذرنا ما بقي من الربا».
وجاء في «صحيح مسلم» كتاب الحج (الرقم: 1218)مصدر غير محددحديث رقم ١٢١٨ في خطبة حجة الوداع عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا﴾: قرأ القراء العشرة بفتح الواو وفتح الذال وضم الراء: ﴿وَذَرُوا﴾، وهو فعل أمر أصله من وذر يذر، وأماتت العرب ماضيه ومصدره واستعملت مضارعه وأمره.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: إخفاء النون عند الكاف في ﴿كُنْتُمْ﴾ وعند التاء، ومد المنفصل في ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ عارض للسكون.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
وَذَرُوا: الذَّرْك والتَّرْك، أي اتركوا وأسقطوا وألغوا كل زيادة ربوية كانت مشروطة لكم قبل الإسلام ولم تقبضوها بعد.
مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا: «مَا» موصولة في محل نصب مفعول به لذروا، وهي تعم كل الديون الربوية المتبقية؛ درهماً كان أو قنطاراً.
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: شرط جواب محذوف تقديره: فاتقوا الله وذروا ما بقي، والشرط هنا سيق مساق التهييج وإثارة الحمية الإيمانية لإلزامهم بالامتثال، كقول الأب لابنه: "إن كنت ابني فلا تعصني".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن قرر القرآن الحكم الكلي في تحريم الربا ومحق بركته، نزل إلى التطبيق العملي للواقع المالي القائم في جزيرة العرب، فأمر بإلغاء كل العقود والمشارطات الربوية التي لم تستوف بعد، دون مجاملة لأشراف قريش أو ثقيف، ليعلن سيادة الشريعة على كل المعاملات.
النداء الإيماني المقرون بالتقوى:
تصدير الآية بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والتذييل بـ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يربط ترك الربا بأصل الإيمان ومقتضياته؛ فمن أبى ترك الربا بعد وضوح النهي فقد نازع مقتضى الإيمان وكاد أن يسلبه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاحتجاج بحرمة العقود السابقة والشرط الجزائي:
حاول بعض المشركين والمرابين الاحتجاج بأن العقود تمت برضا الطرفين في الجاهلية ويجب الوفاء بها.
التحقيق الشرعي والأصولي: الرضا البشري لا يحلل حراماً ولا يسقط حكماً شرعياً قطعياً؛ فالعقود الباطلة المحرمة تسقط ولاغية شرعاً، ولا عبرة بتراضي المتعاقدين على الحرام كالزنا والربا، وسلطان الشريعة يعلو على كل الشروط، كما قال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» (البخاري: 2168).
أسقط الله عنهم ما قبضوه ومضى قبل التحريم رحمة وتيسيراً ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، وحسم الأمر في المتبقي الذي في الذمم، فكان ذلك غاية العدل والإنصاف.
دلالة الشرط التحفيزي ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
إيقاظ للضمير الديني؛ ليعلم المرابي أن التخلي عن أرباحه الربوية المحرمة هو المحك الحقيقي لصدق إيمانه وطاعته لربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التطبيق الفوري للأحكام دون تردد:
ما إن سمع الصحابة الكرام نزول الآية حتى وضعوا رباهم وأسقطوا أرباحهم فوراً دون مراجعة ولا تسويف، وهذا هو السمت الواجب على كل مسلم عند سماع أمر الله ورسوله.
وجوب تطهير الذمة من بقايا الربا:
من كان له وديعة ربوية أو أرباح مستحقة في بنك ربوي لم يقبضها، وجب عليه تركها وإسقاطها فوراً ولا يحل له استلامها لنفسه.