أخرج ابن أبي حاتم (الرقم: 2768)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٦٨ وابن جرير (5/577)مصدر غير محدد٥/٥٧٧ عن السدي ومجاهد في الآية قالا: «ما أنفقتم من نفقة في سر أو علانية، أو نذرتم من نذر طاعة لله تعالى، فإن الله يعلمه ويحصيه ليجزيكم عليه أوفى الجزاء، ومن ظلم فمنع الواجب أو نذر في معصية أو أنفق رياءً فلا ناصر له من عذاب الله».
وجاء في «صحيح البخاري» كتاب الأيمان والنذور (الرقم: 6696)مصدر غير محددحديث رقم ٦٦٩٦ من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾: اسم شرط جازم أو موصول في محل نصب مفعول به مقدم لأنفقتم، وتنوين ﴿نَفَقَةٍ﴾ و﴿نَذْرٍ﴾ بالكسر مجروران بمن الاستغراقية.
قرأ القراء العشرة بإسكان الهاء في ﴿يَعْلَمُهُ﴾ وصلاً مع الوقف بالسكون، أو بصلتها بواو لفظية وصلاً بحسب أصول القراءات عند وقوعها بين متحركين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ: دخول «مِنْ» الاستغراقية على النكرة في سياق الشرط يفيد العموم المحيط لكل أنواع الإنفاق والنذور؛ قليلاً كان أو كثيراً، طيباً أو رديئاً، سراً أو جهراً.
النَّذْرُ: في اللغة الإيجاب، وفي الشرع: إلزام المكلف نفسه لله تعالى بطاعة لم تكن واجبة عليه بأصل الشرع بصيغة دالة كقوله: لله علي أن أصوم يوماً أو أتصدق بألف درهم.
وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ: الظالمون هنا هم الذين يمنعون الحقوق، أو يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى والرياء، أو ينذرون في معاصي الله؛ فكل هؤلاء ظلموا أنفسهم وحرموها الثواب وتعدوا حدود الله، وما لهم من ناصر يدفع عنهم عقاب الله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإحاطة والرقابة الإلهية المطلقة:
الإخبار بأن الله يعلم كل نفقة ونذر هو أعظم باعث على الإخلاص وأقوى رادع عن الخيانة والرياء؛ فإذا استقر في ريب العبد أن عين الله ناظرة إلى حبة الصدقة وخبيئة النذر، زهد في مدح المخلوقين وثنائهم.
المقابلة بين علم الله وجزاء الظالمين:
اقتران علم الله بالجزاء المضاعف للمخلصين، بمقابلة الوعيد الحاسم للظالمين بنفي أي ناصر يحميهم، ترغيباً وترهيباً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مشروعية النذر وحكمه التكليفي:
ورد في الصحيحين (البخاري: 6608، مسلم: 1639) عن ابن عمر: «نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّذْرِ وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ»، فكيف مدح الله الموفين بالنذر وأخبر بعلمه وجزائه هنا وفي سورة الإنسان ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾؟
التحقيق الفقهي والأصولي: فرق العلماء (كالنووي وابن قدامة وابن حجر) بين مرحلتين:
ابتداء عقد النذر: مكروه أو محرم (نذر المعاوضة المشروطة كإن شفى الله مريضي تصدقت بكذا)، لأنه يشبه معاملة البخيل الذي لا يعطي إلا بمقابل.
الوفاء بالنذر بعد انعقاده في طاعة: واجب قطعي وممدوح شرعاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، والآية هنا تثبت علم الله بالوفاء وجزاء أهله، وتحذر الظالمين الذين ينكثون أو ينذرون المعاصي.
العلم هنا يتضمن لازم العلم وهو الإحصاء والتقدير والجزاء الأوفى؛ فذكر العلم يفيض بالطمأنينة في قلب المؤمن الذي أنفق في ظلمات الليل لا يراه أحد إلا الله.
نفي الجنس في ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾:
دخول «مِنْ» على جمع النصير يفيد النفي القطعي البات لأي عون أو شفاعة أو نصرة تدفع عن الظالم عذاب الله يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار الرقابة الذاتية عند النذور والصدقات:
على المؤمن أن يفي بما أوجبه على نفسه من طاعات، وأن يحرص على الصدقات الخفية التي لا يعلمها إلا الله، مستيقناً بأن الله لا يضيع مثقال ذرة.
التحذير من الظلم بإنفاق المال في الحرام:
كل درهم يوضع في تمويل الباطل أو دعم الفساد أو إيذاء المسلمين هو ظلم شنيع يسجل على صاحبه ولا يجد له يوم القيامة ولياً ولا نصيراً.