وروى ابن أبي حاتم (الرقم: 2741)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٤١ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الآية قال: «أمروا أن ينفقوا من أطيب أموالهم وأفضلها، ونهوا أن يتخيروا الرديء فيتصدقوا به».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾: قرأ رويس عن يعقوب وإدريس عن خلف والبزي بتشديد التاء وصلاً: ﴿وَلَا تَّيَمَّمُوا﴾ بإدغام إحدى التاءين في الأخرى، وقرأ الجمهور بتخفيف التاء: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾.
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ: الطيب هنا يجمع معنيين أصيلين: الحلال المباح الخالي من الشبهات، والجيّد الحسن النفيس من الأموال غير الرديء، وكسب الإنسان يشمل أرباح التجارة والصناعات وسائر وجوه الحلال.
وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: يشمل الزروع والثمار والمعادن والركاز الخارج من باطن الأرض، ونسب الإخراج إليه سبحانه تنبيهاً على المنة وتيسير الرزق.
وَلَا تَيَمَّمُوا: لا تقصدوا ولا تتعمدوا، من أمّ الشيء وتيممه إذا قصده وعزم عليه، والمعنى: لا تعمدوا إلى الرديء فتجعلوا منه صدقتكم.
الْخَبِيثَ: الرديء الفاسد الناقص من الثمار والأموال، أو الحرام، والمقصود هنا الرديء بدلالة سبب النزول.
إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ: الإغماض مأخوذ من إغماض العينين، وأصله أن يرى المشتري عيباً في السلعة فيغض بصره ويتساهل فيه لحياء أو بخس ثمن، فالمعنى: لو كنتم أنتم أصحاب الحق لما قبلتم هذا الرديء إلا بكراهة وحياء وتساهل ومساهلة، فكيف ترضونه لله تبارك وتعالى؟!
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التشريع التأسيسي لمصادر الأموال الزكوية وجودتها:
أصلت الآية الكريمة لوعاءين عظيمين من أوعية الزكاة والصدقات:
عروض التجارة والأموال المكتسبة: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
الخارج من الأرض من الحبوب والثمار والمعادن: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.
ثم وضعت المعيار النوعي للبذل؛ فلا يقتصر التكليف على إخراج القدر الواجب فحسب، بل يشترط أن يكون من الصنف الطيب الجيد لا الرديء المستقذر.
الختام بالاسمين ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾:
الله غني عن نفقاتكم وصدقاتكم، لا يقبل منها إلا ما كان طيباً نقياً، وهو حميد في ذاته وصفاته وأفعاله، يحمد المحسن ويضاعف له الأجر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل يصح التصدق بالرديء إذا كان حلالاً؟:
المحاكمة الفقهية والأصولية: نص أئمة الفقه (الشافعي، وأحمد، ومالك، وأبو حنيفة) على أن إخراج الرديء في الزكاة الواجبة لا يجزئ إذا كان الواجب أوسط المال أو طيبه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، وأما في صدقة التطوع فيكره تعمد إخراج الرديء مع وجود الجيد، فإن تصدق به لم يبلغ به مراتب البر العليا المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
المحاكمة العقلية بميزان المعاملة البشرية:
ألزمت الآية المنفقين بحجة وجدانية بديهية لا مدفع لها: إذا كنتم في تعاملاتكم الدنيوية لا ترضون هذا الصنف الرديء لأنفسكم إلا مع الحرج وغمض العينين، فكيف تبذلونه لربكم وللفقراء الذين هم إخوانكم؟! فما لا ترضاه لنفسك لا ترضه لغيرك، وخالقك أحق بالإجلال والتعظيم.
الاحتراس الإلهي البديع في ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾:
استثناء بديع يصور حرج النفس وكراهيتها لأخذ الرديء؛ فالعين تغمض استحياءً أو كرهاً للمنظر، ونزل هذا الاستثناء منزلة التصوير الحسي لنفور الطبع البشري السوي من قبول الدون من المتاع.
دلالة نسبة الإخراج إلى الله ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ﴾:
تذكير بنعمة الإيجاد والإنبات؛ فالأرض وما تنبته فضل محض من الله، فالعبد لم يخلق الحبة ولم ينزل المطر، فكيف يبخل بعد ذلك بإخراج الطيب مما أنعم الله به عليه؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أدب إكرام الفقير وإعزازه:
ينبغي للمسلم أن ينتقي أحسن ملابسه وطعامه وأثاثه الفائض إذا أراد التصدق به، فلا يلقي للفقير السقط من الثياب أو الفاسد من الطعام؛ فإن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير.
استشعار مراقبة الله وغناه:
تذكر اسم الله «الغني الحميد» يغرس في نفس المنفق الهيبة والتعظيم، فلا يجترئ على تقديم النزر التافه أو الرديء، بل يبذل خير ما عنده طلباً لثناء ربه وحمده.