وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وتحقيقه الإسنادي:
أخرج أبو داود في سننه (كتاب الوصايا، باب ما جاء في كراهية مخالطة اليتيم، حديث رقم ٢٨٧١)، والنسائي في المجتبى (رقم ٣٦٧١)، والحاكم في المستدرك (ج٢، ص٢٨٦) وصححه ووافقه الذهبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، انطلق كل من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فكان يصنع له الشيء فيفضل منه الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فشق ذلك عليهم مشقة شديدة، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ...﴾ الآية، فخلطوا أموالهم بأموالهم وطعامهم بطعامهم بالمعروف.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب، حديث رقم ٥٣٠٤، وكتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيماً، حديث رقم ٦٠٠٥) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ٢٩٨٣) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً.
وروى أحمد في المسند (رقم ٦٦٧٣) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال في ولي اليتيم: «ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر فيه، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث كفالة اليتيم والإحسان إليه ومسح رأسه: أخرجه أحمد في المسند (رقم ٧٩٤٦) بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال له: «إن أردت تليين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم».
*سننه* (كتاب الوصايا، باب ما جاء في كراهية مخالطة اليتيم، حديث رقم ٢٨٧١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٧١*صحيحه* (حديث رقم ٢٩٨٣)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٨٣*المستدرك* (ج٢، ص٢٨٦)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٢٨٦*المجتبى* (رقم ٣٦٧١)المجتبىالنسائيحديث رقم ٣٦٧١*المسند* (رقم ٦٦٧٣)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٦٦٧٣*المسند* (رقم ٧٩٤٦)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٧٩٤٦حسن
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
متعلقة بقوله في الآية السابقة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ والمعنى: لعلكم تتفكرون في أمر الدنيا وسرعة زوالها وفنائها، وأمر الآخرة وبقائها ودوام نعيمها.
الْيَتَامَى
جمع يتيم، وهو الصغير الذي مات أبوه ولم يبلغ الحلم، من اليُتْم وهو الانفراد والضعف.
إِصْلَاحٌ
مصدر أصلح يصلح، وهو ضد الإفساد؛ والمراد: القيام على أموالهم ورعايتها وتثميرها بما ينفعهم ويحفظ حقوقهم.
تُخَالِطُوهُمْ
المخالطة: المزج والمشاركة في المعيشة والطعام والشراب والنفقة والتجارة.
فَإِخْوَانُكُمْ
الإخوان جمع أخ؛ والأخوة هنا أخوة الدين والإنسانية التي تقتضي الشفقة والمودة والوفاء والأمانة.
لَأَعْنَتَكُمْ
العَنَت: المشقة الشديدة والجهد والإحراج والوقوع في الضيق والأذى؛ والمعنى: لضيق عليكم وحرم عليكم المخالطة مطلقاً فأوقعكم في الحرج والشدة.
الواو عاطفة، ﴿إنْ﴾ شرطية جازمة، ﴿تخالطوهم﴾ فعل مضارع مجزوم بحذف النون فعل الشرط، والواو فاعل والهاء مفعول به.
فَإِخْوَانُكُمْ
الفاء واقعة في جواب الشرط، ﴿إخوانكم﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فهم إخوانكم، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ
الواو استئنافية، اسم الجلالة مبتدأ، وجملة ﴿يعلم﴾ خبره، ﴿الْمُفْسِدَ﴾ مفعول به، ﴿من المصلح﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال، أو متعلق بيعلم؛ أي يميز هذا من ذاك.
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ
﴿لو﴾ حرف امتناع لامتناع، ﴿شاء﴾ فعل ماضٍ ومفعوله محذوف تقديره: لو شاء الله إعناتكم، واسم الجلالة فاعل، اللام واقعة في جواب لو، ﴿أَعْنَتَكُمْ﴾ فعل ماضٍ وفاعله مستتر والكاف مفعول به، والجملة جواب شرط غير جازم لا محل لها.
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
جملة تعليلية مؤكدة؛ إن واسمها وخبرها الأول والثاني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
الاتصال العضوي الباهر بين ختام الآية السابقة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ومطلع هذه الآية: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾؛ حيث بين مجالات التفكر الإيماني الراشد: تفكر في شؤون الدنيا للاستعانة بها على الطاعة والتصرف فيها بالعدل، وتفكر في الدار الآخرة للاستعداد لحسابها وجزائها، ثم أعقبه ببيان أدق أبواب الأمانة المالية وهو شأن أموال اليتامى ومخالطتهم.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التقابل المتقن بين الخوف الشديد الذي اعترى الصحابة من أكل أموال اليتامى وبين التيسير والترخيص بالمعروف: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
إرساء الرقابة الباطنية بالفاصلة: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾، فالمعوّل عليه هو النية والقصد لا مجرد ظاهر الخلط، وختم بالصفتين ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؛ عزيز في قدرته على الإعنات والتضييق، حكيم في تشريعه والتيسير على عباده برفع الحرج.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رفع الحرج وإرساء العدالة الاجتماعية في رعاية اليتامى:
تكشف الآية التوازن الفريد للشريعة الإسلامية بين صيانة حقوق الضعفاء وحمايتهم من الاستغلال، وبين التيسير ورفع الحرج عن الأولياء والكافلين؛ فالتشديد المفرط في عزل أموال اليتامى وطعامهم كان يؤدي إلى مفسدة أعظم (تلف الطعام، وشعور اليتيم بالعزلة والنقص النفسي)، فشرع الله المخالطة بالمعروف وجعل الضابط هو نية الإصلاح: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾.
الرقابة الإلهية تسبق الرقابة القانونية:
في قضايا الأيتام وأموال القُصّر قد يحتال المفسد بحيل شكلية ظاهرها الإصلاح وباطنها أكل المال؛ فجاء التقرير الإلهي الصارم: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ ليقطع دابر الحيل، ويقرر أن الله مطلع على خفايا السرائر وبواعث القلوب.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
الاستعارة في قوله ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾؛ حيث أطلق الأخوة على اليتامى لاستعطاف قلوب الأولياء، ولإشعارهم بأن معاملة اليتيم ينبغي أن تنبع من روح الأخوة الصادقة التي تحب لأخيها ما تحب لنفسها.
المقابلة بين ﴿الْمُفْسِدَ﴾ و﴿الْمُصْلِحِ﴾ بأل المعرفة لإفادة الجنس والعهد؛ أي الذي شأنه الإفساد والذي شأنه الإصلاح.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن كثير في تفسيره (ج١، ص٥٨٥): «أي: إنما أباح لكم مخالطتهم بشرط الإصلاح؛ لأنهم إخوانكم في الدين، ومن شأن الأخ أن يرفق بأخيه ويصلح حاله، والله يعلم نية كل منكم: أقصده خلط ماله بمال اليتيم ليأكله، أم قصده الإصلاح والتيسير والتوفير على اليتيم؟ فمجازي كلٍّ بعمله وقصده».
*تفسيره* (ج١، ص٥٨٥)مصدر غير محدد١/٥٨٥
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
الرعاية النفسية والاجتماعية لليتيم بإدماجه في الأسرة والمجتمع وعدم عزله أو إشعاره بالدونية والشفقة الجارحة.
كتب الشيخ ابن عاشور في التحرير والتنوير: «هذه الآية أصل عظيم من أصول الشريعة في رعاية مصالح الضعفاء، وفيها فتح لباب التيسير وسد لباب الوسوسة والحرج؛ فقد جمعت بين رعاية مال اليتيم بالعدل والإصلاح، وبين حسن العشرة والمخالطة بروح الأخوة الإيمانية».
الدلائل والإشارات:
ربط التفكر والتأمل الدائم بأحوال الدنيا الفانية ونعيم الدار الآخرة الباقية: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
فرضية قصد الإصلاح والتثمير في إدارة أموال اليتامى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾.
جواز مخالطة اليتامى في المأكل والمشرب والمسكن بالمعروف دون تحريج: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
إحاطة علم الله بالنوايا والبواعث الخفية في الإصلاح والإفساد: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.
امتنان الله على الأمة برفع الحرج والمشقة والعنت في التشريع: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾.