أخرج ابن جرير الطبري في «تفسيره» (5/444)مصدر غير محدد٥/٤٤٤ وابن أبي حاتم (الرقم: 2623)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٢٣ والحاكم في «المستدرك» (2/288)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٢٨٨ وصححه ووافقه الذهبي، من طرق عن علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي: أن المار هو «عزير» عليه السلام، وقيل هو «إرميا بن حلقيا» النبي، وقيل هو رجل صالح غير نبي، والقرية هي «بيت المقدس» بعد أن خربها بختنصر البابلي وأهلك بني إسرائيل وخرب معالم المدينة حتى أصبحت عروشاً ساقطة.
وعن وهب بن منبه وعكرمة: أن عزيراً مر راكباً على حمار ومعه سلة تين وإداوة عصير، فلما رأى بيت المقدس خاوية متداعية قال متعجباً ومستعظماً لقدرة الله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، فأماته الله مائة عام، وأهلك الله بختنصر ورد بني إسرائيل وعمرت القدس، ثم أحياه الله وأحيا حماره أمامه ليرى مشهد البعث عياناً.
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: قرأ يعقوب وورش وحمزة والكسائي بإثبات الهاء وصلاً ووقفاً، وقرأ الجمهور بإثباتها وقفاً وحذفها وصلاً باعتبارها هاء سكت، أو إثباتها في الحالين لكونها أصلية من سَنِهَت أو لام الكلمة من سَنَهَ.
قوله تعالى: ﴿نُنْشِزُهَا﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم ويعقوب: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بضم النون الأولى وسكون النون الثانية وشين معجمة وزاي معجمة، من أنشز يُنشز، أي نرفع بعضها إلى بعض ونركبها ونؤلف بينها. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف: ﴿نُنْشِرُهَا﴾ بالراء المهملة، من أنشر الميت ينشره إذا أحياه وبعثه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾: قرأ الجمهور بالهمزة المقطوعة المفتوحة وضم الميم بصيغة المتكلم: ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾، أي علمت ذلك عياناً ويقيناً تاماً. وقرأ حمزة والكسائي بوصل الهمزة وجزم الميم بصيغة الأمر: ﴿قَالَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، على أنه أمر من الله له أو من الملك له بالعلم واليقين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا: خوت الدار تخوي خوياً إذا سقطت وتهدمت وخلت من سكانها، والعروش هي السقوف، ومعنى خاوية على عروشها: سقطت سقوفها على الأرض ثم تهدمت الجدران وسقطت فوق السقوف، فصارت السقوف تحت الجدران في نهاية الخراب والدمار.
أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ: «أنّى» اسم استفهام يأتي بمعنى كيف ومن أين، وهو هنا ليس استبعاداً لقدرة الله أو شكاً في البعث، بل هو استفهام تعجب واستعظام لقدرة الله وبديع صنعه في إعادة إعمار هذه القرية الماحية.
لَمْ يَتَسَنَّهْ: من سَنِهَ الطعام إذا تغير بمرور السنين والأيام، أو من قوله: حَمَأٍ مَسْنُونٍ إذا تغيرت رائحته وفسد، والمعنى: أن طعامه (التين) وشرابه (العصير) بقيا مائة عام محفوظين بقدرة الله دون فساد ولا تغير رغم سرعة فسادهما طبعاً.
نُنْشِزُهَا: النشوز في اللغة هو الارتفاع والعلو، ومنه نشوز المرأة على زوجها إذا استعلت عليه، ونشزت الأرض إذا ارتفعت، وإنشاز العظام: رفع بعضها إلى بعض وتركيب المفاصل وضم الأوصال بعد تفرقها وترميمها في التراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة بين الآيات والظواهر الإعجازية الثلاث في الآية:
جمعت الآية بين ثلاثة أنساق متقابلة ومتباينة من التصرف الإلهي في الزمان والمكان:
تجميد الزمان عن التأثير: في الطعام والشراب، فرغم مرور مائة عام لم يتغير ولم يتعفن، وهو ما يفسد عادة في يوم وليلة.
إمضاء الزمان بتأثيره الطبيعي الفائق: في الحمار، حيث مات وتحللت جثته وتلاشت لحومه وصارت عظامه نخرة متباينة في التراب.
إيقاف الوعي مع حفظ الذات: في الرجل المار، نام وأميت مائة عام ولم يشعر إلا بيوم أو بعض يوم، ثم أحيي سليماً معافى.
شبهة: هل كان قول المار ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ شكاً في قدرة الله كفر به؟:
المحاكمة والتحقيق: أجمع علماء الأمة من المفسرين والمتكلمين (كابن جرير، والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» 3/290، وابن كثير 1/688) على أن المار كان مؤمناً موحداً ولم يكن شاكاً في أصل البعث؛ فالشك في البعث كفر محض يتنافى مع جعله آية للناس وتكريمه بكلام الله. وإنما قاله تعجباً واستعظاماً لكيفية عمارة هذه البلدة بعد دمارها التام واستئصال أهلها، كما يقول المؤمن عند رؤية المصاب العظيم: سبحان الله كيف يفرج هذا الكرب العظيم!
البرهان العقلي الحاسم على إمكان البعث:
الحجة العقلية في الآية مبنية على المشاهدة الحسية؛ فالذي قدر على حفظ اللطيف سريع الفساد (العصير والتين) مائة عام سالماً من التلف دون ثلاجات ولا مواد حافظة، هو القادر على إعادة تركيب العظام الصلبة وكسوتها لحماً ونفخ الروح فيها، والقدرة الإلهية لا يعجزها خلق ولا إعادة.
في قوله: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ حذف كل تفاصيل موت القرون وتعاقب الأجيال وأسرار البرزخ في جملة واحدة مكثفة تدل على هوان الزمان أمام سلطان الحق وقيوميته.
التمثيل المشهدي في تركيب الجسد:
قوله ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ يعرض مشهداً حياً متدفقاً: تطاير العظام من مواضعها وتلاقيها، ثم التحام المفاصل، ثم انسطاح العصب والعروق، ثم كسوة اللحم والجلد، ثم نفخ الروح فينهض الحمار ينهق بإذن الله، فكان هذا المشهد قمة اليقين العياني الحسي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة اليقين المشهود بعد اليقين الخبري:
الإنسان مفطور على طلب الشهود العياني ليرتقي من علم اليقين إلى عين اليقين وحق اليقين، وهذا لا يقدح في إيمانه بل يزيده رسوخاً وطمأنينة، كحال عزير وحال إبراهيم في الآية التالية.
عزاء المصلحين عند خراب الديار:
في الآية أعظم سلوى للأمة عند نزول الكوارث ودمار المجتمعات؛ فإن الله قادر على إحياء الأمة وبعث حضارتها بعد خمودها وتفرق أوصالها كما أحيا تلك القرية الخاوية، فلا يجوز لداعية أن يقنط من رحمة الله وتجديد دينه.