تبين الآية تاريخ نشأة العقيدة في البشرية، وتصحح النظريات البشرية القائلة بأن الأصل في الإنسان الشرك والوثنية، مؤكدة أن الأصل هو التوحيد والفطرة النقية، ثم طرأ الاختلاف والشرك فبعث الله الرسل بالكتب لحسم النزاع.
أخرج الحاكم في المستدرك (ج٢، ص٥٤٦) وصححه ووافقه الذهبي، وابن جرير الطبري في جامع البيان من طريق عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين».
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، حديث رقم ٤٧٤١) ومسلم في صحيحه (كتاب الجمعة، حديث رقم ٨٥٥) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غداً والنصارى بعد غد». وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾.
وأخرج مسلم في صحيحه (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث رقم ٧٧٠) عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث رقم ٢٨٦٥) من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال في خطبته: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً». وهو نص صريح مفسر لأصل الأمة الواحدة على التوحيد.
*صحيحه* (كتاب التفسير، باب قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، حديث رقم ٤٧٤١)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٤١*صحيحه* (كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث رقم ٢٨٦٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٦٥*صحيحه* (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث رقم ٧٧٠)مصدر غير محددحديث رقم ٧٧٠*صحيحه* (كتاب الجمعة، حديث رقم ٨٥٥)مصدر غير محددحديث رقم ٨٥٥*المستدرك* (ج٢، ص٥٤٦)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٥٤٦
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أُمَّةً
الأمة تطلق في القرآن على معانٍ: الجماعة المتفقة على دين، والرجل الجامع لخصال الخير كإبراهيم عليه السلام، والحين والمدة كقوله: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾، والإمام المقتدى به. والمراد هنا: جماعة متفقة على دين الحق والتوحيد الخالص.
﴿كان﴾ فعل ماضٍ ناقص، ﴿النَّاسُ﴾ اسمها مرفوع، ﴿أُمَّةً﴾ خبرها منصوب، و﴿وَاحِدَةً﴾ نعت منصوب. وهناك جملة محذوفة مقدرة في النظم دل عليها سياق الكلام، تقديرها: فاختلفوا؛ بدليل قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.
فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ
الفاء عاطفة على الجملة المحذوفة، ﴿بعث﴾ فعل ماضٍ، واسم الجلالة فاعل، و﴿النَّبِيِّينَ﴾ مفعول به منصوب بالياء.
مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
حالان منصوبان بالياء.
وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
الواو عاطفة، ﴿أنزل﴾ فعل ماضٍ، ﴿معهم﴾ ظرف مكان متعلق بأنزل، ﴿الكتاب﴾ مفعول به (والمراد جنس الكتب الإلهية)، ﴿بالحق﴾ جار ومجرور في محل نصب حال من الكتاب أو متعلق بأنزل.
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ
اللام لام التعليل، ﴿يحكم﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله أو على الكتاب، ﴿بين﴾ ظرف مكان متعلق بيحكم، و﴿الناس﴾ مضاف إليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن بين الله انقسام الناس إلى كافر مغرور ومؤمن متقٍ، وموقف بني إسرائيل من آيات الله، قرر هنا الحقيقة التاريخية الكبرى لافتراق البشرية؛ مبيناً أن الشرك والاختلاف عارض طارئ على الفطرة، وأن بعثة الرسل وإنزال الكتب إنما كانتا لحسم النزاع واستعادة وحدة الحق، ولكن الحسد والبغي هو الذي أعاد تفريق أهل الكتاب، فاصطفى الله هذه الأمة الخاتمة بالهداية للحق الأصيل.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
المقابلة البديعة بين البغي الذي كان سبباً في ضلال أهل الكتاب ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، وبين التوفيق الإلهي المجرد الذي ناله المؤمنون ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾.
ختم الآية بالتقرير الإلهي العام: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، لبيان أن الهداية منحة ربانية محضة تتبع حكمة الله وعدله ومشيئته المطلقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض أسطورة "تطور الأديان من الوثنية إلى التوحيد":
تزعم الأنثروبولوجيا المادية الغربية أن الدين تطور من الطوطمية وتعدد الآلهة وعبادة قوى الطبيعة وصولاً إلى فكرة التوحيد! وتنسف هذه الآية تلك الفرية نسفاً جذرياً؛ إذ تقرر أن الإنسانية بدأت موحدة على لسان أبيها آدم ونوح عليهما السلام ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، وأن الشرك والوثنية انحراف طارئ على الفطرة بفعل البغي والهوى ووساوس الشيطان.
علة الخلاف الديني عند أهل الكتاب:
تبين الآية حقيقة صادمة: أن الاختلاف في الدين لم ينشأ عن خفاء الأدلة ولا عن قصور في بيان الكتب المنزلة، بل وقع من بعد ما جاءتهم البينات، ولم يكن باعثه إلا البغي والحسد والتنافس على الرياسات الدنيوية ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾؛ وهذا من أدق التشخيصات النفسية والاجتماعية لداء التحزب والتعصب الديني.
الإيجاز بالحذف البليغ في قوله ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ﴾؛ حيث حُذف (فاختلفوا) لدلالة قوله بعد ذلك ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ عليه، وهو إيجاز يُبرز علة البعثة النبوية في موضعها الدقيق.
تنكير ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ و﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ للتعظيم؛ أي أمة عظيمة متحدة على الحق، وصراط مستقيم عظيم لا عوج فيه ولا اضطراب.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قوله ﴿بِإِذْنِهِ﴾ قيد إيماني جليل يكسر عجب المؤمن باهتدائه؛ فالهداية للحق في مواطن النزاع والشبهات ليست بحذاقة العبد ولا بمجرد ذكائه، وإنما هي محض فضل الله وتوفيقه وإذنه؛ ولذلك كان النبي ﷺ يستفتح صلاته بالدعاء بالهداية لما اختلف فيه من الحق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
وجوب الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ عند كل تنازع واختلاف، فالحاكمية للوحي المعصوم لا للأهواء ولا للمناهج الوضعية.
الحذر البالغ من داء البغي والحسد والتنافس الحزبي؛ فإنه المفسد للدين، والمفرق لصف الأمة بعد وضوح البينات.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (ج١٤، ص١٦٠): «أخبر سبحانه أن الناس كانوا أمة واحدة فاختلفوا، وأن الكتب نزلت لرفع الخلاف، وأن الذين أوتوه ما اختلفوا فيه لجهل بل لبغي، فكل من اختلف في الحق بعد ظهوره فإنما هو لبغي فيه، والمؤمنون يهديهم الله للحق بإذنه».
وكتب الإمام ابن القيم في مفتاح دار السعادة (ج١، ص٨٩): «هذه الآية اشتملت على أصول الدين الكبرى: إثبات النبوات، وإنزال الكتب، وإثبات حكمة الرب في خلقه وأمره، وإبطال دعوى الملاحدة في نشأة الأديان، وإثبات فضل الأمة المحمدية واهتدائها لما ضلت عنه الأمم السالفة».
الدلائل والإشارات:
تقرير أن الأصل في البشرية هو التوحيد والإيمان الفطري النقي: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
وظيفة الأنبياء الكبرى ورسالتهم في التبشير والإنذار والفصل بين المختلفين بالوحي.