وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وتحقيقه الإسنادي:
نزل فرض القتال بالمدينة بعد الهجرة النبوية، بعد أن كان المسلمون مأمورين في العهد المكي بكف الأيدي وإقام الصلاة؛ فلما اشتد أذى المشركين وأخرجوا المؤمنين من ديارهم، أذن الله لهم بالقتال في سورة الحج: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، ثم نزل الفرض الحاسم في هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾.
أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٤٠٤) عن مقاتل بن حيان قال: كانت هذه الآية أول فرض نزل في جهاد الدفع والطلب بعد الهجرة.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الجهاد والسير، باب لا تمنوا لقاء العدو، حديث رقم ٢٩٦٥) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١٧٤٢) من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف».
وروى مسلم في صحيحه (كتاب الإمارة، حديث رقم ١٩١٠) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات ولم يغزُ، ولم يحدّث به نفسه، مات على شعبة من نفاق».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج الترمذي في جامعه (رقم ٢١٥٩) وصححه، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «حُفَّتِ الجنة بالمكاره، وحُفَّتِ النار بالشهوات»، وهو مفسر لقاعدة الآية العظمى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
*صحيحه* (كتاب الجهاد والسير، باب لا تمنوا لقاء العدو، حديث رقم ٢٩٦٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٦٥*صحيحه* (كتاب الإمارة، حديث رقم ١٩١٠)مصدر غير محددحديث رقم ١٩١٠*صحيحه* (حديث رقم ١٧٤٢)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٤٢*تفسيره* (ج٢، ص٤٠٤)مصدر غير محدد٢/٤٠٤*جامعه* (رقم ٢١٥٩)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٥٩
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
كُتِبَ
الكَتْب في أصل اللغة: الجمع والضم وإلزام الشيء؛ والمراد هنا: فُرض وأوجب إيجاباً حتماً لازماً لا محيد عنه.
الْقِتَالُ
مصدر قاتل يقاتل قتالاً، وهو بذل الجهد في محاربة الأعداء لرد عدوانهم وإعلاء كلمة الله.
كُرْهٌ
الكُره بالضم: ما تكرهه النفس بمقتضى الجبلة والطبع البشري لمشقته على البدن وخطر ذهاب النفس والمال؛ وأما بالفتح (كَرْه) فهو ما يُحمل عليه الإنسان بالقسر والإكراه الخارجي. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالضم ﴿كُرْهٌ﴾، وقرأ بعض القراء في الشواذ بالفتح.
عَسَى
فعل جامد للترجي والطمع، والترجي في كلام الله تعالى يفيد التحقيق والوقوع الحتمي تفضلاً من الله وإحساناً.
كُتِبَ
فعل ماضٍ مبني لما لم يُسمَّ فاعله.
عَلَيْكُمُ
جار ومجرور متعلق بكتب.
الْقِتَالُ
نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ
الواو حالية، ﴿هو﴾ ضمير منفصل مبتدأ، ﴿كُرْهٌ﴾ خبر مرفوع، ﴿لكم﴾ جار ومجرور متعلق بنعت لكره، والجملة في محل نصب حال من القتال.
وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا
الواو استئنافية، ﴿عسى﴾ فعل ماضٍ تام يفيد الرجاء والتحقيق، ﴿أنْ﴾ مصدرية ناصبة، ﴿تكرهوا﴾ فعل مضارع منصوب بحذف النون، والواو فاعل، ﴿شيئاً﴾ مفعول به، والمصدر المؤول من أن والفعل في محل رفع فاعل لعسى.
الواو استئنافية، اسم الجلالة مبتدأ وجملة ﴿يعلم﴾ خبره، والواو عاطفة، ﴿أنتم﴾ مبتدأ، ﴿لا﴾ نافية، وجملة ﴿تعلمون﴾ خبر، وحذف مفعول الفعلين لإفادة الإطلاق؛ أي: الله يعلم حقائق الأشياء وعواقبها المحمودة والمذمومة وأنتم قاصرون عن إدراك ذلك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
لما أمر الله تعالى بالإنفاق من الأموال في الآية السابقة: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، عقب مباشرة بالأمر ببذل الأنفس والقتال في سبيل الله؛ لأن حماية الأمة والدين تستلزم نوعين من البذل لا غنى لأحدهما عن الآخر: بذل المال وبذل الدماء والأرواح.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التقابل الدقيق بين كراهية المشقة وحصول الخير: ﴿تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وبين حب الدعة وحصول الشر: ﴿تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.
ختم الآية بالقاعدة المطلقة: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهو حسم حكيم يوجب تفويض العباد أمورهم لعلم الله وحكمته، وتسليم قيادهم للتشريع الإلهي دون اعتراض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التفريق بين الكره الجبلي الطبيعي وكره الحكم الشرعي:
لا جناح على المسلم أن يكره القتال والقتل والجراح بمقتضى جبلته البشرية وطبعه الإنساني الذي ينفر من الألم والموت؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾، ولم يقل "أنتم تكرهون حكم الله"؛ فالصحابة رضي الله عنهم كرهوا مشقة الحرب طبعاً وامتثلوا أمر الله فيها شرعاً واحتساباً.
تأسيس القاعدة الكلية في المصالح والمفاسد:
الآية أصل عظيم في علم مقاصد الشريعة وأصول الفقه وقواعد السلوك؛ إذ تقرر أن عقول البشر قاصرة عن إحاطة عواقب الأمور، فكم من مكروه في الظاهر تحته كل الخير والتمكين والنصر والشهادة والخلود (كالجهاد)، وكم من محبوب مستلذ تحته كل الهلاك والذل والتباب (كالقعود والاستسلام والتثاقل إلى الأرض).
إطلاق مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾ و﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾، وهو إيجاز بديع يبرز المفارقة الهائلة بين العلم الإلهي المحيط الأزلي، والجهل البشري المحدود.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
كتب الإمام ابن القيم في الفوائد (ص١٣٥) كلاماً نفيساً في تدبر هذه الآية: «في هذه الآية عدة حِكَم وأسرار ومصالح للعبد؛ فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه، لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة؛ لعدم علمه بالعواقب؛ فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد... فلا أنفع له من امتثال الأمر وإن شق عليه، وتفويض الأمر إلى من يعلم العواقب».
*الفوائد* (ص١٣٥)الفوائدابن القيم١٣٥
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
الاستسلام المطلق لأوامر الله ونواهيه، حتى وإن خالفت الهوى أو مالت عنها النفوس.
قال سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢١٣): «إن القتال فُرض وهو مكروه للنفس بطبيعتها... ولكن الله الذي يعلم ما وراء الظواهر يفرضه لأنه يعلم ما فيه من خير: خير للأمة في حماية عقيدتها وكرامتها، وخير للبشرية في كسر طوق الطغيان، وخير للمجاهد في تطهير نفسه من أوضار الأرض... فإذا قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سكنت النفس واستراحت إلى تدبير الله».
الدلائل والإشارات:
فرضية الجهاد والقتال في سبيل الله لحماية الدين وحرمات المسلمين: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾.
عدم مؤاخذة المكلف على النفور الطبعي الجبلي من مشاق التكاليف وأهوال الحرب: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾.
التأسيس القرآني لقاعدة أن الخير قد يكمن في المكاره، وأن الشر قد يكمن في المشتهيات.
إحاطة علم الله بالماضي والحاضر والمآل، وقصور علم البشر: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وجوب الانقياد للتشريع الرباني وتقديم حكم الوحي على الأهواء والتقديرات العقلية المادية.