أخرج الترمذي في «سننه» كتاب التفسير (الرقم: 2988)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٨٨ وحسنه، وابن حبان في «صحيحه» (الرقم: 997)مصدر غير محددحديث رقم ٩٩٧، والحاكم في «المستدرك» (2/285)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٢٨٥ وصححه ووافقه الذهبي، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾».
وروى ابن جرير الطبري في «تفسيره» (5/560)مصدر غير محدد٥/٥٦٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «اثنتان من الشيطان واثنتان من الله: الشيطان يعدكم الفقر يقول: لا تنفق مالك وأمسكه فإنك تحتاج إليه، ويأمركم بالفحشاء وهي البخل والمعاصي، والله يعدكم مغفرة لذنوبكم وفضلاً يخلفه عليكم في دنياكم وآخرتكم».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾: قرأ القراء العشرة بضم الميم في ﴿يَعِدُكُمُ﴾ للتخلص من التقاء الساكنين، وقرأ الجمهور ﴿الْفَقْرَ﴾ بفتح الفاء وإسكان القاف، وقرأ أبو جعفر والأعمش بضم الفاء: ﴿الْفُقْرَ﴾، وهما لغتان مشهورتان في لسان العرب كالضَّعف والضُّعف.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: إظهار التنوين عند العين الحلقية في ﴿عَلِيمٌ﴾.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ: الوعد هو الإخبار بحصول أمر في المستقبل، والوعد يستعمل في الخير والشر، غير أن الأكثر تخصيص الوعد بالخير والوعيد بالشر، واستعماله هنا مع الفقر للتهويل وتصوير وساوس الشيطان كأنها عهود لازمة في نفس البخيل.
بِالْفَحْشَاءِ: الفحشاء في أصل اللغة: كل ما جاوز الحد وعظم قبحه من الأقوال والأفعال، والمراد بها هنا عند عامة المفسرين (ابن مسعود وابن عباس ومجاهد): البخل الشديد ومنع الزكاة والحقوق الواجبة، وتسمى البخل فحشاء لعظم قبحه وشناعته الاجتماعية.
مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا: المغفرة ستر الذنوب ومحوها في الآخرة جزاء الصدقة، والفضل سعة الرزق والبركة والخلف العاجل في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة النفسية العميقة بين الوعدين:
كشفت الآية عن المعركة النفسية الصامتة التي تجري في باطن الإنسان عند إرادة الإنفاق:
جبهة الحق والتثبيت: وعد صادق بالمغفرة للزلات والفضل المتكاثر في الرزق، ومصدره الرب الكريم.
الارتباط بختام الآية السابقة:
لما أمر بالإنفاق من الطيبات ونهى عن التيمم بالخبيث، بيّن الدافع النفسي الذي يجر الإنسان إلى تقديم الرديء أو الامتناع عن البذل، وهو خوف الفقر الذي يلقيه إبليس في القلب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وهم الفقر عند الصدقة:
يظن العقل المادي المجرد أن خروج المال من اليد ينقصه بالضرورة الحسابية.
التحقيق القرآني والنبوي: رد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوهم بالحلف المؤكد: «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ...» (رواه الترمذي: 2325 وصححه). والمحاكمة العقلية تثبت أن الصدقة تحمي المال من الجوائح، وتفتح أبواب المحبة والتعاون والأمن الاجتماعي، وتستجلب البركة الإلهية الخفية في الصحة والأهل والولد.
إسناد الأمر إلى الشيطان ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾:
تدرج بياني بديع: بدأ بالوعد المخوف (الفقر) ليضعف مقاومة النفس، فلما خافت النفس وانهارت عزيمتها، استعلى عليها بالأمر بالفعل القبيح (الفحشاء والبخل)، وهذا شأن الشيطان في التدرج بالإيقاع بالعبد.
تأكيد الفضل والختم بالاسمين ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾:
«واسع» الخزائن والرحمة، فلا يخشى من وعده عجز ولا نفاد، «عليم» بمن يستحق الفضل والمغفرة وبمن يخلص في نفقته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار لَمَّة الملك عند وساوس الشح:
إذا أحس المؤمن في صدره انقباضاً عن الصدقة أو خوفاً من نوائب الدهر، فليعلم فوراً أنه نداء الشيطان فليتعوذ بالله، وليستحضر وعد الله الصادق بالمغفرة والفضل فينفق طيبة بها نفسه.
كشف مخططات التخويف في المعارك الدعوية:
يمارس أعداء الدين وأتباع الشيطان سياسة التخويف الاقتصادي وتجويع الشعوب لصدها عن نصرة الحق، والآية تسلح المؤمنين باليقين بأن الرزاق هو الله وحده، وأن خزائنه ملأى لا تغيض.