أخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (الرقم: 2608)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٠٨ وابن جرير الطبري في «جامع البيان» (5/429)جامع البيانالطبري٥/٤٢٩حسن بسند حسن عن قتادة ومجاهد والسدي أن هذا الذي حاج إبراهيم هو نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وكان ملك بابل ومشرق الأرض، وتجبر وادعى الربوبية، فبعث الله إليه إبراهيم يدعوه إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة والخلق.
وروى عبد الرزاق في «المصنف» (الرقم: 20562)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٥٦٢ وابن أبي حاتم (الرقم: 2613)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦١٣ عن زيد بن أسلم: «أن نمرود كان عنده طعام وكان الناس يمتارون منه، فوفد إبراهيم فيمن وفد، فما كان يمر به أحد إلا سأله: من ربك؟ فيقول: أنت، فلما مر بإبراهيم قال: من ربك؟ قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، فمنعه الميرة ورده خائباً، فلما نزل إبراهيم أهله أخذ تراباً فوضعه في رحله، فلما فتحته سارته وجدته أطيب دقيق وحنطة، فأصلحت منه طعاماً، فعلم إبراهيم أن ربه آتاه رزقاً مباركاً».
وجاء في «صحيح البخاري» كتاب الأنبياء (الرقم: 3358)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٥٨ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في فضل إبراهيم الخليل عليه السلام وثباته في دعوة الحق وقيامه بالحجة القاطعة في وجه الطغيان.
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿أَنَّ آتَاهُ﴾: قرأ ابن كثير وقالون وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى وتسهيلها، والباقون بالتحقيق مع المد المنفصل بحسب مراتبهم، وأجمع القراء العشرة على مد الهمزة في ﴿آتَاهُ﴾ مد بدل بمقدار حركتين (وفي ورش ثلاثة البدل: القصر والتوسط والمد).
قوله تعالى: ﴿رَبِّيَ الَّذِي﴾: قرأ نافع وأبو جعفر وأبو عمرو وابن عامر بإثبات الياء مفتوحة وصلاً: ﴿رَبِّيَ الَّذِي﴾، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن كثير وخلف بإسكان الياء وصلاً، وحذفها في الوقف لغة.
قوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾: قرأ الجمهور ﴿فَبُهِتَ﴾ بضم الباء وكسر الهاء مبنياً للمجهول أو مسنداً للفاعل المعنوي على أنه فعل غير متعدٍ، ومعناه: دهش وتحير وانقطعت حجته وسقطت شبهته. وقرأ ابن السميقع وأبو حيوة وعاصم الجحدري: ﴿فَبَهَتَ﴾ بفتح الباء والهاء متعدياً أو لازماً، بمعنى غلب وقهر، وقرأ بعضهم: ﴿فَبَهُتَ﴾ بضم الباء والهاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
حاجَّ: أصله من الحِجاج والمحاجة، وهو مأخوذ من "الحَجّ" وهو القصد المتكرر، والمحاجة هي إيراد الدليل لدفع حجة الخصم وقصد إبطال قوله، وصيغة فاعل تدل على وقوع الفعل بين طرفين، غير أن الخصم الكافر هنا لم تكن له حجة حقيقية بل داحضة باطلة، كما قال تعالى: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ: المصدر المنسبك في محل نصب مفعول لأجله بتقدير لام التعليل، أي: لبَطَرِه وطغيانه بسبب إيتاء الله إياه الملك، أو مفعول لأجله بحذف باء السببية أي: لأن آتاه، فبدل أن يشكر النعمة كفر بالمنعم وجحد ربوبيته، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾.
فَبُهِتَ: البَهْت في لسان العرب: الدهشة التي تعتري الإنسان عند هجوم أمر قاهر لم يكن يحتسبه فيعجز عن دفعه أو الجواب عنه حتى يصير حائراً مذهولاً. يقال: بُهِت الرجل إِذا انقطع في المناظرة ولم يدر ما يقول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية واتصالها بسياق سورة البقرة:
بعد أن قرر الحق تبارك وتعالى في الآية السابقة ولايته التامة لأهل الإيمان وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وولاء الطواغيت للكافرين وإخراجهم من النور إلى الظلمات، ساق في هذه الآية وما بعدها ثلاثة شواهد واقعية وحججاً بصرية عيانية على كمال ولاية الله وقدرته وسلطانه:
الشاهد الأول: حجة إبراهيم على الطاغوت نمرود في توحيد الربوبية والإلهية والإحياء والإماتة وتسخير الأفلاك.
الشاهد الثاني: آية إحياء القرية الخاوية وإحياء الرجل الحيران بعد مائة عام وطعامه وحماره.
الشاهد الثالث: آية طيور إبراهيم الأربعة وانبعاثها سعياً بعد التمزيق والتفريق على الجبال.
الانتقال من الحجة الأولى إلى الحجة الثانية في المناظرة:
لم ينتقل إبراهيم عليه السلام من حجة الإحياء والإماتة لعجزه عن إبطال مكابرة نمرود (إذ نمرود عمد إلى سفسطة محضة بقتل بريء والعفو عن مستحق القتل، وهذا ليس إحياءً بل هو إبقاء على قيد الحياة)، وإنما ترقى إبراهيم وانتقل إلى برهان ظاهر لا مجال فيه للسفسطة ولا للمغالطة المشاهدة، وهو الإتيان بالشمس من جهة أخرى، ليفضح عجزه المطلق أمام الملأ ويقطع تلبيسه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة دعوى نمرود في الإحياء والإماتة:
زعم نمرود السطحي: «أنا أحيي وأميت؛ آتي برجلين وجب عليهما القتل فأقتل أحدهما فأكون قد أمته، وأعفو عن الآخر فأكون قد أحييته».
المحاكمة العقلية: هذا مغالطة بالاشتراك اللفظي أو تزييف المعنى الحقيقي؛ فالإحياء هو خلق الحياة ونفخ الروح في الجسم الهامد أو إيجاد الروح ابتداءً، والإماتة هي نزع الروح وإعدام الحياة بحكم التقدير والخلق. والعفو عن المحكوم عليه ليس إحياءً بل هو كف عن القتل فقط. وإبراهيم عليه السلام لما رأى الخصم يلجأ إلى السفسطة التي قد تلتبس على العوام والجهال، قطع عليه شغب التلبيس بحجة كونية كونية عيانية لا تقبل التمويه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾.
شبهة: هل كان انتقال إبراهيم انتقالاً من حجة عاجزة إلى حجة بديلة؟:
الرد الأصولي: بيّن أئمة الأصول كابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» (1/365)منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدريةابن تيمية١/٣٦٥ وفخر الدين الرازي في «مفاتيح الغيب» (7/32)مفاتيح الغيبفخر الدين الرازي٧/٣٢ أن انتقال إبراهيم ليس انقطاعاً في الحجة، بل هو انتقال من استدلال خفي قد يكابر فيه الخصم بالسفسطة إلى استدلال جلي قاهر لا مدخل فيه لأي مغالطة، وهو طريقة القرآن في إلزام الجاحدين بأظهر البينات.
صيغة تعجيب وتشويق موجهة للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل سامع، والرؤية هنا رؤية قلبية علمية تنزل منزلة الرؤية البصرية لقوة ثبوتها ويقين نقلها، وفيها تنبيه العقول إلى مآل الطغاة المتكبرين كيف تتلاشى ممالكهم وتنهزم حججهم أمام نور الحق.
التنكير والإبهام في ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾:
تجريده من اسمه وعنوانه تحقيراً لشأنه وإسقاطاً لذكره، فالخلود للبراهين ولأهل الحق، أما الطغاة فمصيرهم الخزي والنسيان والذم المستمر.
بلاغة ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾:
التعبير بالبناء للمجهول يشعر بأن الدهشة والخرس قد ركبا كليته وغشيتا سمعه وبصره، حتى عجز لسانه عن النطق وأسقط في يده، والختم بقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ تقرير لسنة إلهية نافذة في حرمان المتكبرين المعاندين من توفيق الهدى وحلاوة الإيمان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فقه المناظرة وأدب الجدال بالتي هي أحسن:
الآية تؤسس لقواعد المحاجة والمناظرة العقدية؛ فينبغي للداعية ألا يسترسل في جدليات سفسطائية فارغة إذا رأى الخصم يموه على العوام، بل ينقله مباشرة إلى القضايا الكلية الواضحة والبراهين القطعية التي تفحم الباطل وتكشف زيفه.
التحذير من فتنة السلطة والملك:
النعمة إذا لم تقترن بشكر المنعم كانت سبباً في الطغيان والهلاك؛ فنمرود حمله الملك والسطوة على ادعاء الربوبية فكان جزاؤه الخزي والبوار، بينما المؤمن يزداد بالملك خضوعاً وعبودية لله كما فعل داود وسليمان عليهما السلام.