وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وتحقيقه الإسنادي:
بعد أن قرر الله تعالى في الآية السابقة أن الموت لا يُدفع بالحذر والفرار، ربط ذلك مباشرة بالأمر بالجهاد والقتال في سبيل الله؛ ليعلم المؤمنون أن الموت في ميادين الجهاد شرف وشهادة ولا يعجل بالأجل المكتوب.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد في سبيل الله، حديث رقم ٢٧٨٥) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١٨٧٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي وإيماناً بي وتصديقاً برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة».
وروى البخاري في صحيحه (حديث رقم ٢٨١٠) ومسلم (حديث رقم ١٩٠٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٩٠٤ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «لَغَدْوَةٌ في سبيل الله أو رَوْحَةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج الإمام أحمد في المسند (رقم ٢١٩٥٩) بإسناد صحيح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «من قاتل في سبيل الله فُوَاقَ ناقة (أي قدر ما بين الحلبتين) وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقاً ثم مات أو قُتل فإن له أجر شهيد».
*صحيحه* (كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد في سبيل الله، حديث رقم ٢٧٨٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٨٥*صحيحه* (حديث رقم ١٨٧٦)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٧٦*صحيحه* (حديث رقم ٢٨١٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨١٠*المسند* (رقم ٢١٩٥٩)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢١٩٥٩صحيح
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَقَاتِلُوا
فعل أمر صريح موجه للمؤمنين بفرضية الجهاد ومقاومة العدوان ودفع الباطل.
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
قيد شرعي أصيل؛ يخرج كل قتال كان لعصبية أو حمية أو غنيمة أو سمعة؛ فالقتال المشروع هو ما كان خالصاً لإعلاء كلمة الله وحماية الدين والمستضعفين.
سَمِيعٌ
سميع لأقوالكم ودعائكم وأذكاركم ومناجاتكم واستغاثاتكم في ساحات الوغى.
عَلِيمٌ
عليم بنياتكم وبواعث صدوركم وما تنطوي عليه سرائركم من الإخلاص أو الرياء أو الخور.
وَقَاتِلُوا
الواو عاطفة، فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بقاتلوا.
وَاعْلَمُوا
الواو عاطفة، فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
﴿أن﴾ حرف توكيد ونصب واسم الجلالة اسمها، و﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ خبران مرفوعان، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي اعلموا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
ترابط عضوي محكم ونتيجة منطقية حتمية للمثل السابق؛ فكأن النظم الكريم يقول: إذا كان الفرار من الوباء لم ينجِ أولئك الألوف من الموت، فما لكم تخافون الموت في القتال؟! قَاتِلُوا في سبيل الله فالموت لا يُستجلب بالقتال ولا يُدفع بالقعود، وآجالكم محتومة لا تتقدم ساعة ولا تتأخر.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
ختام الآية بالصفتين ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ لأن المعركة موطن تضطرب فيه المشاعر وتكثر فيه الأقوال؛ فالله سميع لنداءات المجاهدين وشهقات الشهداء وتثبيط المنافقين، عليم بالصادق الذي يبذل روحه خالصاً من المرائي والمنافق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أخلاقية الجهاد في الإسلام وتنقيته من أطماع التوسع المادي:
الآية تؤكد أن القتال في الإسلام ليس مشروعاً استعمارياً لنهب الثروات أو إذلال الشعوب أو الإكراه على العقيدة، بل هو مقيد بقيد ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي في سبيل الحق والعدالة، ولرفع الظلم، وحماية حرية الدعوة، والدفاع عن حمى الأمة وكرامتها، فإذا تجرد القتال من هذا المقصد النبيل صار بغياً وعدواناً يستوجب سخط الله.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
الإيجاز بالحذف؛ حيث جاء الأمر ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بحذف المفعول به لبيان أن القتال موجه ضد كل معتدٍ وظالم يصد عن سبيل الله ويحارب الحق.
تقديم الأمر بالعلم ﴿وَاعْلَمُوا﴾ قبل ذكر الصفتين؛ لربط السلوك الجهادي بالبصيرة العقدية واليقين القلبي بمعية الله ورقابته.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب: «أمرهم بالقتال بعد أن قرر في الآية السابقة أن الموت بيد الله لا بالفرار، ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ سميع لما يبدر منكم من أقوال الخوف أو الثبات، عليم بما في قلوبكم من الشجاعة أو الجبن؛ فمن علم ذلك استحال عليه التراجع والخور».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
تصحيح النية في كافة أشكال المدافعة الفكرية والعسكرية والدعوية، لتكون خالصة في سبيل الله لا للرياء ولا للمكاسب الفئوية.
استشعار سمع الله وعلمه في كل خطوة وموقف يواجهه المسلم في مواجهة الباطل.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٥٢): «إنه التوجيه المباشر بعد استقرار الحقيقة الكبرى: حقيقة أن الحياة والموت بيد الله وحده... قاتلوا إذن في سبيل الله؛ لا في سبيل مغنم، ولا في سبيل عصبية، ولا في سبيل مجد أرضي... واعلموا أن الله سميع عليم؛ يسمع كل نجوى، ويعلم كل حركة، ويزن كل نية».
الدلائل والإشارات:
فرضية القتال والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
تقييد القتال المشروع بكونه في سبيل الله خالصاً من شوائب الهوى والأطماع الدنيوية.
التنبيه على ارتباط الإقدام في المعارك باليقين بأن الأجل لا يقربه القتال.
إثبات صفتي السمع والعلم لله تعالى ورقابته على ساحات التدافع والجهاد: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.