يسجل القرآن العظيم هنا أعجب ظاهرة نفسية سلبية في تاريخ بني إسرائيل؛ فبعد كل تلك المعجزات الباهرة القاطعة (فلق البحر، والمن والسلوى، ورفع الطور، وإحياء القتيل أمام أعينهم)، ما لانت قلوبهم ولا خضعت لخالقها، بل غلظت وتصلبت وخلت من الرقة والإنابة، فصارت في صلابتها وجمودها كالصخور الصماء الجلمود، بل هي أصلب وأشد قسوة من الصخور؛ فإن في الصخور والحجارة من مظاهر الانفعال والتأثر والتسبيح لربها ما تفتقده قلوبهم القاسية: فمن الحجارة ما يتفجر منه الأنهار المتدفقة بالخير والحياة، ومنها ما يتشقق فينبع منه الماء العذب، ومنها ما يسقط ويهوي من أعالي الجبال خضوعاً وخشية ورهبة من جلال الله؛ أما قلوبهم فجامدة لا يفيض منها خير، ولا ينبع منها دمع، ولا تخشع لخالقها؛ وما الله بغافل ولا ساهٍ عن أعمالكم وقبائحكم، بل هو محصٍ لها ومجازيكم عليها بأعدل الجزاء.