أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن هشام في السيرة النبوية (ج١، ص٦٠١)، والبيهقي في الدلائل (ج٣، ص١٨) بإسناد حسن عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، وعن عروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ بعث سرية عليها عبد الله بن جحش الأسدي رضي الله عنه ومعه ثمانية من المهاجرين، وكتب له كتاباً أمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه فيمضي لأمره ولا يستكره أحداً من أصحابه. فقرأ الكتاب فإذا فيه: «امضِ حتى تنزل نخلة (بين مكة والطائف) فترصد بها عير قريش». فمرت عير لقريش تحمل تجارة فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة نفر، فقاتلوهم فقتلوا ابن الحضرمي وأسروا اثنين وساقوا العير إلى المدينة، وكان ذلك في آخر يوم من رجب (من الأشهر الحرم) وهم يظنون أنه من شعبان.
فشنعت قريش وقالت: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا الأموال! وتوقف النبي ﷺ في الغنيمة والأسيرين وقال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام»، وشق ذلك على المسلمين جداً؛ فأنزل الله تبارك وتعالى هذا الفصل الحاسم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ...﴾ الآية، ففرج الله عن المسلمين وأحل غنيمتهم.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
روى البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب حجة الوداع، حديث رقم ٤٤٠٦) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١٦٧٩) من خطبة حجة الوداع عن أبي بكرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حُرُم: ثلاث متواليات: ذو القَعدة، وذو الحِجة، والمُحَرَّم، ورجب مُضَر الذي بين جُمادى وشعبان».
وروى أحمد والترمذي في إحباط عمل المرتد، وبيان خطورة النكوص عن الدين بعد الهداية.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج الإمام أحمد في المسند (رقم ١٦٥٤٤)، وابن حبان في صحيحه (رقم ٤٨٤٢) من حديث عبد الله بن جحش وقصة نخلة بإسناد حسن، وفيها قبض النبي ﷺ الفداء للأسيرين ورد على كفار مكة فريتهم.
*صحيحه* (كتاب المغازي، باب حجة الوداع، حديث رقم ٤٤٠٦)مصدر غير محددحديث رقم ٤٤٠٦*السيرة النبوية* (ج١، ص٦٠١)السيرة النبويةابن هشام١/٦٠١*صحيحه* (حديث رقم ١٦٧٩)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٧٩*المسند* (رقم ١٦٥٤٤)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ١٦٥٤٤*الدلائل* (ج٣، ص١٨)دلائل النبوةالبيهقي٣/١٨حسن*صحيحه* (رقم ٤٨٤٢)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨٤٢حسن
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الشَّهْرِ الْحَرَامِ
رجب المحرم أحد الأشهر الحرم المعظمة التي كان يحرم فيها القتال في الجاهلية وأقرها الإسلام.
كَبِيرٌ
عظيم الجرم والإثم في أصله قبل طروء ما يبيحه أو ينسخه.
وَصَدٌّ
الصد: المنع والحيلولة بين المرء وما يريده من الحق؛ وصد عن سبيل الله: منع الناس من الإيمان والدعوة.
الْفِتْنَةُ
الفتنة هنا: الشرك بالله وتعذيب المؤمنين وفتنتهم عن دينهم ليرجعوا إلى الكفر.
يَرْتَدِدْ
الردة في الشرع: الرجوع عن الإسلام إلى الكفر؛ وأصل الارتداد الرجوع في الطريق الذي جاء منه.
حَبِطَتْ
الحُبوط في اللغة: البطلان والفساد؛ يقال: حبط عمله إذا فسد وبطل ثوابه؛ وأصله من حَبِطَت الدابة إذا أكلت حتى انتفخ بطنها فهلكت.
الواو عاطفة أو استئنافية، ﴿صَدٌّ﴾ مبتدأ، ﴿عن سبيل الله﴾ متعلق بصد، ﴿وكفر به﴾ معطوف، ﴿والمسجدِ الحرام﴾ معطوف على سبيل الله بالجر أو معطوف على الهاء في ﴿به﴾، وقرأ الجمهور بالجر، ﴿وإخراجُ أهله﴾ معطوف على صد، ﴿أَكْبَرُ﴾ خبر المبتدأ ﴿صدّ﴾ مرفوع، ﴿عند الله﴾ ظرف متعلق بأكبر.
وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ
جملة اسمية مقررة لحكم الفتنة والشرك مقارنة بالقتل.
﴿من﴾ اسم شرط جازم مبتدأ، ﴿يرتدد﴾ فعل الشرط مجزوم، ﴿فيمت﴾ معطوف بالفاء مجزوم، ﴿وهو كافر﴾ جملة اسمية في محل نصب حال، وهذا القيد الإلهي ﴿فيمت وهو كافر﴾ هو مدار الخلاف الأصولي بين الشافعي وأبي حنيفة في اشتراط الموافاة لإحباط العمل.
الفاء رابطة، ﴿أولئك﴾ مبتدأ، وجملة ﴿حبطت أعمالهم﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
لما نزل فرض القتال في الآية السابقة وامتثل المسلمون ذلك، وقعت سرية عبد الله بن جحش في آخر يوم من رجب، فأثارت قريش حرباً إعلامية وأخلاقية ضد النبي ﷺ تتهمه فيها بانتهاك حرمة الأشهر الحرم، فأنزل الله الآية لتكشف زيف الحملة وتزن الجرائم بميزان العدل الإلهي؛ فإذا كان القتال في الشهر الحرام كبيراً، فإن جرائم قريش في الكفر والصد عن سبيل الله والتعذيب وإخراج أهل الحرم منه أعظم وأطم بمراحل.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التدرج البديع من الاعتراف بقدسية الشهر الحرام: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، إلى كشف قبائح العدو التي تفوق ذلك بكثير: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ... أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
ثم التحذير الختامي الرهيب من غايات العدو الاستراتيجية: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾، ليعلم المسلمون أن المعركة معركة هوية وعقيدة لا معركة مواسم وشهور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد النفاق والازدواجية في المعايير الدولية والجاهلية:
تقدم الآية درساً خالداً في تفكيك الدعاية المغرضة ومواجهة الازدواجية الأخلاقية؛ فقريش التي ارتكبت أبشع الجرائم: عبدت الأصنام، وعذبت المؤمنين، وطردت النبي وأصحابه من ديارهم ظلماً وعدواناً، تصنع لنفسها مظلومية زائفة وتتباكى على حرمة "الشهر الحرام"! فرد الله كيدهم وأظهر عوارهم؛ فالذي يدمر الحرمات الكبرى ليس له أن يتباكى على الحرمات الصغرى.
مسألة نسخ حرمة القتال في الأشهر الحرم:
ذهب جماهير أهل العلم إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم كان ثابتاً في أول الإسلام، ثم نُسخ بآيات السيف المطلقة كقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، وثبوت حصار النبي ﷺ للطائف في شوال وذي القعدة. وذهب عطاء بن أبي رباح وطائفة إلى بقاء التحريم على أصله، والجمهور على أن جهاد الدفع جائز إجماعاً في كل وقت، وأن الابتداء بالقتال نُسخ تحريمه في الأشهر الحرم.
المحاكمة الأصولية في إحباط عمل المرتد (الموافاة):
استدل الإمام الشافعي بقوله تعالى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ على أن الردة لا تُحبط صالح العمل إلا بشرط الموت على الكفر؛ فلو ارتد ثم عاد إلى الإسلام لم تبطل أعماله السابقة ولا حجه الأول. وقال الإمام أبو حنيفة: الردة تحبط العمل بنفس وقوعها استدلالاً بآية الزمر: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، ورجح المحققون مذهب الشافعي لتقييد المطلق هنا بالقيد الصريح ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
الإنصاف الإلهي المطلق في التعبير بـ ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾؛ حيث لم يجامل المسلمين ولم ينكر حرمة الشهر، بل قرر الحق ابتداءً، ثم وازن بين السيئات بميزان القسط، ليعلم المسلمون أن الحق أحق أن يُتبع وأن العدل هو قوام الشريعة.
التعبير بـ ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ بصيغة الاستمرار، لكشف الطبيعة العدوانية المترسخة في قلوب الأعداء التي لا تهدأ حتى تقضي على الإسلام واستئصال أهله.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام الشنقيطي في أضواء البيان: «في هذه الآية أعظم تثبيت للمؤمنين عند حملات التشويه التي يشنها الكفار؛ فإن الكافر يرى القذاة في عين المسلم ولا يرى الجذع المعترض في عينه هو! فبين الله أن موازين الجرائم إنما تؤخذ من كتاب الله لا من أهواء أهل الباطل».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
الوعي السياسي والإعلامي لدى الأمة لكشف نفاق القوى الاستعمارية التي تدمر بلدان المسلمين وتقتل الملايين ثم تتباكى على خروقات شكلية أو تصطنع الذرائع القانونية.
الثبات على دين الله والحذر التام من الارتداد الفكري أو العقدي تحت وطأة الإغراءات والضغوط.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢١٦): «إنها المعركة الحقيقية؛ معركة العقيدة... إن الكفار لا يقاتلون المسلمين على أرض ولا مال ولا مصالح اقتصادية في حقيقة الأمر، وإنما يقاتلونهم على الدين: ﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾... وحين يدرك المسلم هذه الغاية يسقط من حسابه كل وهم في مهادنة الباطل أو التعويل على إنصافه».
الدلائل والإشارات:
تقرير حرمة الأشهر الحرم وعظم القتال فيها: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾.
تفوق جرائم الكفر والصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله على إثم القتال في الشهر الحرام: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
التقعيد القرآني بأن الفتنة والشرك أعظم جرماً من القتل: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
كشف الطبيعة الدائمة والغاية النهائية لحرب الأعداء ضد المسلمين: ﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾.
إحباط أعمال المرتد الدنيوية والأخروية وخلوده في النار إذا مات على كفره: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾.