أخرج الإمام أحمد في المسند (رقم ٣٧٨)، وأبو داود (رقم ٣٦٧٠)مصدر غير محددحديث رقم ٣٦٧٠، والترمذي (رقم ٣٠٤٩)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٤٩ وصححه، والنسائي في الكبرى (رقم ٥١٣٩) بإسناد صحيح عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه لما نزل تحريم الخمر قال: «اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً»، فنزلت هذه الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، فدُعي عمر فقُرئت عليه، فقال: «اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً»، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فدُعي عمر فقُرئت عليه، فقال: «اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً»، فنزلت الآية التي في المائدة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ... فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، فقال عمر عند ذلك: «انتهينا! انتهينا!».
وروى ابن جرير الطبري (ج٤، ص٣٢٩)مصدر غير محدد٤/٣٢٩ عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول الشطر الثاني: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾: أن الصحابة لما أُمروا بالصدقة جاؤوا يسألون عن المقدار الذي ينفقونه بعد كفاية أهليهم، فأنزل الله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، حديث رقم ١٤٢٦) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١٠٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول». وهذا هو التفسير النبوي الصريح للعفو.
وروى مسلم في صحيحه (كتاب الأشربة، حديث رقم ٢٠٠٣) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة».
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث لعن الخمر في عشرة أوجه: أخرجه الترمذي (رقم ١٢٩٥)مصدر غير محددحديث رقم ١٢٩٥، وأبو داود (رقم ٣٦٧٤)مصدر غير محددحديث رقم ٣٦٧٤ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له».
*صحيحه* (كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، حديث رقم ١٤٢٦)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٢٦*صحيحه* (كتاب الأشربة، حديث رقم ٢٠٠٣)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٠٣*صحيحه* (حديث رقم ١٠٣٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٠٣٤*الكبرى* (رقم ٥١٣٩)مصدر غير محددحديث رقم ٥١٣٩صحيح*المسند* (رقم ٣٧٨)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٣٧٨
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْخَمْرِ
مشتقة من الخَمْر وهو الستر والتغطية؛ ومنه خِمار المرأة لأنه يستر رأسها، وسُمي الشراب المسكر خمراً لأنه يخامر العقل أي يستره ويغطيه ويزيل تمييزه؛ وهو يشمل كل ما أسكر من عنب أو تمر أو شعير أو عسل أو غير ذلك.
الْمَيْسِرِ
القمار بأنواعه، واشتقاقه إما من اليُسْر؛ لأنه كسب مال بغير كدّ ولا تعب، أو من التجزئة والاقتسام؛ لأن الجزور كان يُجزأ أجزاء بالقداح.
المنافع المادية العاجلة: كأرباح التجارة بالخمر ولذة الطرب العاجلة، وكسب المال بالقمار، وإطعام الفقراء من أنصبة الميسر كما كان يفعل أهل الجاهلية.
الْعَفْوَ
العفو في اللغة: الفضل والزيادة، وسُمي الفضل عفواً لأنه يُعطى عفواً صفواً عن طيب نفس بلا مشقة؛ والمراد هنا: ما فضل وزاد عن حاجة المرء وأهله ونفقاتهم الأساسية.
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
فعل ومفعول وفاعل، وجار ومجرور متعلقان بيسألونك، والميسر معطوف.
قرأ الجمهور بنصب الواو ﴿الْعَفْوَ﴾ على أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره: أنفقوا العفو، أو على أنه مفعول به لينفقون المقدر؛ وقرأ أبو عمرو بن العلاء بالرفع ﴿الْعَفْوُ﴾ على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو العفو، أو مبتدأ خبره محذوف: الواجب العفو.
الكاف حرف تشبيه وجر، ﴿ذا﴾ إشارة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق ليبيّن؛ أي: تبييناً بديعاً مثل ذلك التبيين يبيّن الله، واسم الجلالة فاعل، ﴿الآيات﴾ مفعول به منصوب بالكسرة، وجملة ﴿تتفكرون﴾ في محل رفع خبر لعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن أمر الله بالجهاد وبذل النفس والمال، وحذر من حب الدعة، جاء بيان تطهير المجتمع المسلم من الآفات الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية التي تدمر العقول وتهدر الأموال (الخمر والميسر)؛ فالأمة المجاهدة التي تفتح الدنيا لا يمكن أن تُبنى بعقول مخمورة ولا بأموال مسلوبة بالقمار، ثم عطف عليه ببيان حد النفقة الفاضلة (العفو) لتكتمل منظومة البناء الحضاري.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التدرج التشريعي الحكيم: لم يفاجئهم بتحريم الخمر دفعة واحدة لما يعلم من شدة إلف العرب لها، بل قرر الموازنة العقلية الموضوعية: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾؛ والعاقل إذا تيقن أن مضرة الشيء أعظم بكثير من منفعته تهيأت نفسه لتركه.
ربط بيان الآيات بالتفكر: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ إشارة إلى أن أحكام الشريعة معللة بالمصالح ودرء المفاسد، وأن التفكر الصحيح يقود حتماً إلى التسليم بحكمة التشريع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة التدرج في التشريع وسنة الفطام الاجتماعي:
تكشف الآية منهج الإسلام الفريد في معالجة العادات الاجتماعية المتأصلة والظواهر الإدمانية؛ حيث مرت الخمر بأربع مراحل:
الامتنان بالرزق مع التلميح بالفرق بين السَّكَر والرزق الحسن في سورة النحل: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾.
هز عرشها في النفوس بالموازنة بين الإثم والنفع في هذه الآية من سورة البقرة: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.
التحريم الجزئي في أوقات الصلاة في سورة النساء: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾.
التحريم البات القاطع الحاسم بالأمر بالاجتناب في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ... رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾.
المحاكمة العقلية لضرر الخمر والميسر:
أثبت العلم والطب الحديث والعلوم الاجتماعية أن مفاسد المسكرات والمخدرات والقمار تفوق كل حصر: من إتلاف الكبد والجهاز العصبي، وتدمير البيوت، وحوادث السير، وجرائم القتل والاعتداء، وتبديد الثروات؛ فصدق الله العظيم: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
المقابلة بين صيغة المفرد في الإثم ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ والجمع في المنافع ﴿وَمَنَافِعُ﴾؛ للإشعار بأن منافعها وإن تعددت في الحس الظاهر فهي حقيرة هابطة، بينما إثمها وإن عبر عنه بالمفرد فهو إثم طاغٍ ساحق يبتلع كل تلك المنافع.
إيجاز الكلمة الواحدة في جواب ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ بقوله: ﴿الْعَفْوَ﴾؛ وهي لفظة جامعة مانعة تتسع لكل أحوال الغنى والتوسط، وتحدد حد الاعتدال دون إفراط ولا تفريط.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام الزمخشري في الكشاف: «سماها إثماً لأن عاقبتها الإثم وارتكاب القبائح، فالخمر مفتاح كل شر، والقمار يورث العداوة ويسلب المال في غير حله، فكان وصفهما بالإثم من أبلغ أساليب التنفير».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
اجتناب كافة صور المسكرات والمخدرات والمؤثرات العقلية وصور الميسر المعاصرة (كالمراهنات الرياضية، واليانصيب، والألعاب الإلكترونية المقترنة بالمقامرة).
التوازن المالي بإنفاق الفائض عن الحاجة الأصلية وعدم تضييع من يعول المرء.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار (ج٢، ص٣٢٥): «لو لم يكن في القرآن إلا هذا الأصل التشريعي في تحريم الخمر والميسر لكفى به برهاناً على أنه تنزيل من حكيم حميد؛ فقد عجزت أعتى الدول المادية المعاصرة (كالولايات المتحدة في قانون حظر الكحوليات) عن كبح جماح الخمر بالقوانين الجافة، بينما قضاها القرآن بآيات الوحي وسلطان التقوى».