أخرج البخاري في «صحيحه» كتاب السلم (الرقم: 2240)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٤٠ ومسلم (الرقم: 1604)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٠٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
وأخرج الحاكم في «المستدرك» (2/286)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٢٨٦ وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في «السنن الكبرى» (6/17)مصدر غير محدد٦/١٧ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَأَذِنَ فِيهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾».
وأخرج ابن جرير الطبري في «جامع البيان» (6/76)جامع البيانالطبري٦/٧٦ عن سعيد بن المسيب والشعبي قالا: «هذه أطول آية في كتاب الله تعالى، وفيها ثلاثون حكماً وقاعدة فقهية في المعاملات والتوثيق والشهادات».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ﴾: قرأ حمزة بكسر الهمزة وتخفيف الضاد ورفع تذكر: ﴿إِنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ على أنها جملة شرطية مستأنفة، وقرأ الجمهور بفتح الهمزة وتشديد الضاد ونصب تذكر: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ﴾، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الكاف وضم الذال: ﴿فَتُذْكِرَ﴾ من أذكر يُذكر، وقرأ الباقون بتشديد الكاف وفتح الذال: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾: قرأ عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي بنصب «تجارةً حاضرةً»: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ على أن «تكون» ناقصة واسمها ضمير المعاملة أو التجارة وخبرها منصوب، وقرأ الباقون بالرفع: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ﴾ على أن «تكون» تامة بمعنى تحدث أو تقع.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: قرأ القراء العشرة بفتح الراء المشددة ﴿يُضَارَّ﴾ للتخلص من التقاء الساكنين، ويحتمل البناء للفاعل (أي لا يُضارَّ الكاتبُ والشهيدُ صاحبَ الحق بالتحريف أو الامتناع) أو البناء للمفعول (أي لا يُضارَّ الكاتبُ والشهيدُ من قِبل المتعاقدين بالإيذاء والتكليف الشاق). وقرأ ابن محيصن بإسكان الراء الأولى وكسر الثانية: ﴿يُضَارِرْ﴾.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ: تفاعلتم من الدَّيْن، والتداين وقوع المعاملة الدَّيْنية بين طرفين دائن ومدين، والدين لغة: كل ما ثبت في الذمة مؤجلاً أو حالاً من مال أو التزام، والتنصيص على ﴿بِدَيْنٍ﴾ بعد تداينتم للتوكيد ورفع المجاز، ولإدخال كل ما يثبت في الذمة ثمناً كان أو قرضاً أو سلماً أو صداقاً أو أرش جناية.
أَجَلٍ مُسَمًّى: الأجل هو الوقت المحدد لانتهاء المدة، و«مسمى» أي معلوم محدد بالأيام أو الأشهر أو السنين لا جهالة فيه ولا غرر.
وَلْيُمْلِلِ: أملّ يُمِلّ لغة فصيحة في أملى يملي، والإملاء هو النطق بالحق والألفاظ ليخطها الكاتب في الصحيفة، وأمر الذي عليه الحق بالإملاء لأنه المقر المعترف بما عليه من التزام، فيكون إقراره حجة قاطعة عليه.
سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا: السفيه هو ناقص العقل خفيفه الذي يبذر ماله ولا يحسن التصرف في أموره، والضعيف هو الصبي الصغير أو الهرم الخرف المغلوب على عقله.
لَا تَسْأَمُوا: السآمة هي الملال والضجر، يقال: سئم الشيء يسأمه إذا مله وتركه استثقالاً.
أَقْسَطُ وَأَقْوَمُ وَأَدْنَى: صيغ تفضيل ثلاث مقتبسة من القسط (العدل)، والتقويم (الاستقامة والثبات)، والدنو (القرب والرجحان)؛ أي أعدل في حكم الله، وأثبت للشهادة عند التنازع، وأقرب إلى نفي الريبة والشكوك بين المؤمنين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإحكام التشريعي البديع في آية المداينة:
رسمت الآية الكريمة نظام التوثيق المالي والعقدي في أرقى منظومة عرفتها البشرية:
الأمر بالتوثيق الكتابي للدين المؤجل: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾.
التمييز الدقيق بين المعاملات الآجلة (التوثيق الكتابي) والمعاملات النقدية السريعة (التخفيف من الكتابة): ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾.
حماية الكاتب والشاهد من التعسف والضرر: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
الاتصال البديع بآيات الربا السابقة:
لما حرّم الله الربا قطعاً وأسقط عقوده الجائرة، فتح للمؤمنين البديل المشروع الآمن وهو «القرض الحسن وعقد السلم والدين المؤجل»، وشرع له أسباب التوثيق والحفظ بالعدل لئلا تضيع أموال الناس أو تقع النزاعات المفضية للعداوة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة أمر الكتابة: هل هو للوجوب أم للندب؟:
التحقيق الأصولي والفقهي: ذهب داود الظاهري وابن حزم وبعض التابعين إلى وجوب كتابة الديون مطلقاً لظاهر الأمر ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾، بينما ذهب جمهور الفقهاء الأربعة وأئمة الفتوى إلى أن الأمر للإرشاد والندب لا للوجوب؛ بدليل الآية التي تليها مباشرة: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾؛ فرخص في ترك الكتابة والرهن عند حصول الأمانة والثقة، ولكن الكتابة أحوط وأعظم للمصلحة.
شبهة شهادة امرأتين برجل: المحاكمة التشريعية والموضوعية:
أثار المستشرقون وحملات التشكيك شبهة تنقيص المرأة بجعل شهادتها نصف شهادة الرجل في الأموال.
المحاكمة العقلية والتشريعية الدقيقة:
نص العلة القرآنية الصريحة: علل القرآن هذا الحكم بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾؛ فالحكم يدور مع علة الاختصاص والخبرة العرفية والنسيان والاضطراب؛ لأن شأن النساء في المجتمعات الغالب عدم اشتغالهن الدائم بخصومات الأسواق وعقود الديون وتفاصيل المعاملات المالية المعقدة، فجعلت المرأة الثانية عضداً ومذكرة للأولى حماية للحقوق من النسيان لا احتقاراً لذاتها.
المواطن التي تنفرد بها المرأة أو يتساوى فيها حكمها: في قضايا الرضاع، والولادة، وعيوب النساء، تقبل شهادة المرأة الواحدة أو شهادة النساء منفردات دون الرجال عند عامة الفقهاء، وفي باب الرواية والحديث النبوي والفتيا تتساوى المرأة مع الرجل إجماعاً؛ فحديث عائشة كحديث أبي هريرة بلا فرق، فدل ذلك على أن المسألة متعلقة بطبيعة المجال العملي والحذر القضائي من فوات الحقوق المالية لا بنقص القيمة الإنسانية.
التنبيه على آفة نفسية شائعة: وهي استصغار الديون القليلة والكسل عن كتابتها حياءً أو تهاوناً، فنهى القرآن عن السآمة؛ لأن الصغير يجر إلى الكبير، والنزاع يبدأ من التافه من الأموال فيفسد الأخوة.
الإعجاز في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾:
اقتران التقوى بالتعليم الإلهي؛ تنبيهاً على أن تقوى الله ومراقبته في المعاملات هي مفتاح البصيرة ونور الفهم، والختم بـ ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يقرر أن هذه الأحكام نابعة من علم محيط بمصالح البشر إلى قيام الساعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ ثقافة التوثيق المالي والعقاري والقانوني:
تؤسس الآية لأهمية المؤسسات التوثيقية (الشهر العقاري وكتاب العدل والمحاماة الشرعية)، وتوجب على المسلمين تسجيل التزاماتهم وديونهم تجنباً للخصومات وقطيعة الأرحام.
أمانة الكاتب والشاهد:
الكاتب العدل والشاهد لا يجوز لهما تحريف الحق ولا إمالته لصالح قريب أو غني، بل هما مؤتمنان أمام الله على كتابة الحق كما أملي بالعدل.