أخرج عبد الرزاق في «تفسيره» (1/109)مصدر غير محدد١/١٠٩ وابن جرير الطبري (5/617)مصدر غير محدد٥/٦١٧ وابن أبي حاتم (الرقم: 2806)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٠٦ من طرق عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كانت عنده أربعة دراهم، فأنفق درهماً بالليل، ودرهماً بالنهار، ودرهماً سراً، ودرهماً علانية.
وروى ابن أبي حاتم (الرقم: 2808)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٠٨ عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه وأبي الدرداء أنها نزلت في أصحاب الخيل المرابطة في سبيل الله الذين ينفقون عليها علفاً ورعاية ليلاً ونهاراً وسراً وعلانية لإعلاء كلمة الله.
وروي أنها عامة في كل من استغرق أوقاته وأحواله في البذل في سبيل الله كأبي بكر الصديق وعثمان بن عفان رضي الله عنهما.
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قرأ القراء العشرة باتفاق برفع: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ على الابتداء، وخبره قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ودخلت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط.
قوله تعالى: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: قرأ الجمهور بالرفع والتنوين، وقرأ يعقوب في رواية بفتح فاء ﴿خَوْفَ﴾ بلا تنوين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً: تقسيم استيعابي للأزمنة والأحوال؛ فالليل والنهار يستوعبان كل أوقات الدهر، والسر والعلانية يستوعبان كل هيئات البذل والتصرف؛ فالمعنى: أن إنفاقهم مستمر ودائم لا يرتبط بظرف محدد، بل همهم تلبية الحاجات متى ما وجدت.
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ: اقتران الخبر بالفاء مؤذن بأن استحقاق الأجر ترتب على هذا الإنفاق المستوعب التام ترتب الجزاء على الشرط، دلالة على السرعة واليقين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
خاتمة السلسلة التشريعية الكبرى لأحكام الإنفاق:
جاءت هذه الآية لتتوج مسار الآيات الأربع عشرة السابقة (من الآية 261 إلى 274) التي أسست للمنظومة المالية الإسلامية القائمة على التكافل والجود والتطهر؛ فجمعت الآية أطراف الفضل كله وختمت بالوعد المطلق بالأمن من الخوف والحزن والظفر بالأجر الدائم عند الرب.
الارتباط الدقيق بآيات الربا التالية:
لما تم تقرير نظام الإحسان والبذل والصدقات بأكمل صورة، انتقل القرآن مباشرة في الآية التالية (275) إلى فضح النظام المقابل المناهض له: وهو نظام الشح والأثرة والامتصاص المالي المتمثل في "الربا"؛ ليقع التمايز التام بين قطبي الاقتصاد الإنساني: قطب العطاء والرحمة (الصدقات) وقطب الجشع والظلم (الربا).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل الجمع بين الليل والنهار والسر والعلانية يقتضي التكلف؟:
المحاكمة التدبرية: المراد ليس التكلف الصوري في تقسيم المال، بل استيعاب جميع أحوال البذل بحسب المصلحة الشرعية الراجحة؛ فإن اقتضت مصلحة الفقير السر ليلاً أسر، وإن اقتضت مصلحة إثارة الهمم العلن نهاراً أعلن، فالقلب معلق برضا الله في كل آن وحين.
تقديم الليل والسر له سر بياني بديع؛ فالليل والسر هما موطن خفاء العمل وأبعد عن مداخل الرياء وأستر لكرامة السائل، ثم عطف عليهما النهار والعلانية لإفادة استمرار تدفق الخير في كل الأوقات والظروف.
تكرار نفي الحزن والخوف:
تأكيد للأمان النفسي المطلق والخلود في رحمة الله في الدارين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحويل الإنفاق إلى نمط حياة وسجية لازمة:
المؤمن الحقيقي لا ينتظر المناسبات السنوية فقط لينفق، بل يجعل البذل ديدنه اليومي المستمر في ليله ونهاره وسره وجهره، يبتغي تجارة لن تبور.
عظمة منازل الجود في الإسلام:
ما أعظم جزاء من استنفد ماله وجهده في مرضاة الله؛ فإن الله ينور له في قبره، ويؤمنه من الفزع الأكبر يوم القيامة، ويدخله الجنة بغير حساب.