أخرج ابن جرير الطبري (6/44)مصدر غير محدد٦/٤٤ وابن أبي حاتم (الرقم: 2824)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٢٤ عن مجاهد وقتادة في الآية قالا: «ذكر الله تعالى أهل الإيمان والإحسان والصلوات والزكوات عقب ذكره أهل الربا؛ ليبين الفرق بين الفريقين: أهل الإيمان يواسون الفقراء ويزكون أموالهم، وأهل الربا يستغلون حاجة الفقراء ويمحقون أموالهم».
وجاء في «الصحيحين» عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه في قصة الأعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما فرض الله عليه من الصلاة والصيام والزكاة، فلما أخبره قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ» (البخاري: 46، مسلم: 11).
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ: عطف الخاص على العام؛ فالصلاة والزكاة من أعظم الأعمال الصالحة، ولكن أفردهما بالذكر لبيان شرفهما ومكانتهما كركنين أساسيين للدين: الصلاة عماد العبادات البدنية ورابطة العبد بربه، والزكاة رأس العبادات المالية ورابطة الرحمة والتكافل بين العباد.
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ: جملة اسمية في محل رفع خبر «إنّ»، وتنكير الأجر لإفادة التعظيم والتكريم، وإضافته لاسم الرب لفيض الرحمة والحفظ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
منهج القرآن في التعقيب بالترغيب بعد الترهيب:
جرت عادة القرآن العظيم إذا ذكر أهل النار والوعيد الشديد على المعاصي (كآكلي الربا والكفار) أن يعقب بذكر أهل الجنة والوعد الكريم لأهل الطاعة والتوحيد؛ لئلا تقنط النفوس، ولتنشط في طلب مرضاة الله وامتثال أمره.
التناسب بين إيتاء الزكاة ومحاربة الربا:
الزكاة هي المضاد الحيوي الشرعي للربا؛ فالمرابي يأخذ أموال الفقراء بلا مقابل، والمزكي يعطي الفقراء من ماله بلا مقابل طلباً لوجه الله، فبذكر الزكاة يكتمل بديل الربا المنقذ للأمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تكرار نفي الخوف والحزن في سياق الآيات:
تكررت جملة ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في سورة البقرة في مواضع متعددة؛ فهل هذا تكرار محض؟
الجواب البلاغي والتدبري: ليس في القرآن تكرار محض، بل كل موضع يقرر الأمن في سياق خاص يقتضيه:
في الآية (262): الأمن لمن ينفق ولا يتبع نفقته مناً ولا أذى.
في الآية (274): الأمن لمن يستغرق أوقاته وأحواله في الإنفاق سراً وعلانية.
وهنا في الآية (277): الأمن لمن ثبت على أركان الإيمان والصلاة والزكاة في مواجهة فتن الجشع وأمواج الربا المحيطة، وتأكيد أن استقامتهم على الحق تورثهم السلام المطلق يوم يفزع المرابون.
قرن الله بينهما في أكثر من سبعة وعشرين موضعاً في القرآن؛ دلالة على تلازم حق الله وحق العباد، وأنه لا يقبل دين عبد ضيع إحداهما، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العناية بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة:
هما النور الماحق لظلمات الشح والجشع في النفس، والواجب على المسلم حراستهما وأداؤهما في مواقيتهما بشروطهما وأركانهما وخشوعهما.
الاستبشار بالأمن الإلهي:
متى ما أدى العبد ما عليه من واجبات، عمر قلبه بالأمن والسكينة، فلا يخشى فقراً ولا ضياعاً، ويستقبل لقاء الله بوجه مستبشر منير.