هذه الآية متصلة بالآية السابقة اتصال الشرط والجزاء، فهي بمثابة التهديد والوعيد لمن أعرض عن الدخول في السلم كافة، أو اتبع خطوات الشيطان بعد وضوح الدلائل.
روى الطبري في جامع البيان عن قتادة والربيع بن أنس قالا: «علم الله أن ناساً سيقصرون ويزلون بعد البينات، فأنزل هذه الآية موعظة لهم وزجراً ووعيداً».
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، حديث رقم ١٣٦٩) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ٢٨٧٠) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي ﷺ في المنافق والمرتاب حين يُسأل في قبره فيقول: «لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت!». وهذا يجسد عاقبة من زل بعد قيام الحجة ومجيء البينات.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج أحمد في المسند (رقم ٢٢٣٤٥)، وأبو داود (رقم ٤٦٠٧)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٠٧ وصححه الألباني، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب... وفيه: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك». وهو شاهد بياني مطابق لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
*صحيحه* (كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، حديث رقم ١٣٦٩)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٦٩*صحيحه* (حديث رقم ٢٨٧٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٧٠*المسند* (رقم ٢٢٣٤٥)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢٢٣٤٥
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
زَلَلْتُمْ
قرأ الجمهور بفتح اللام الأولى ﴿زَلَلْتُمْ﴾ من زَلّ يَزِلّ زَلَلاً، وقرأ بعضهم بكسرها ﴿زَلِلْتُمْ﴾، وأصل الزلل في اللغة: زلق القدم وانحرافها عن موضع الثبات في المشي، ثم استُعير لكل انحراف عن الحق أو خطأ يعرض للإنسان في دينه أو قوله أو عمله بعد الاستقامة.
الْبَيِّنَاتُ
جمع بَيِّنة، وهي الحجة الواضحة القاطعة الكاشفة للحق من الباطل، من أبان يبين، وسميت الدلائل بينات لأنها تُبين المقاصد وتفصل الشبهات.
عَزِيزٌ
صفة مشبهة تدل على منتهى العزة، وهو الغالب الذي لا يغلبه شيء، القاهر الذي لا يمتنع عليه ممتنع، القوي المنيع.
حَكِيمٌ
صفة مشبهة تدل على الحكمة وإحكام التدبير، وهو الذي يضع الأمور في مواضعها اللائقة بها، فلا يعاقب إلا بحق، ولا يمهل إلا بحكمة.
فَإِنْ
الفاء استئنافية أو رابطة لجواب شرط مقدر، ﴿إنْ﴾ حرف شرط جازم.
زَلَلْتُمْ
فعل ماضٍ مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء ضمير متصل فاعل والميم علامة الجمع.
مِنْ بَعْدِ
جار ومجرور متعلق بالفعل زللتم.
مَا جَاءَتْكُمُ
﴿ما﴾ مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر مجرور بالإضافة، والتقدير: من بعد مجيء البينات لكم؛ و﴿جَاءَتْكُمُ﴾ فعل ماضٍ والتاء للتأنيث والكاف مفعول به.
الْبَيِّنَاتُ
فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
فَاعْلَمُوا
الفاء واقعة في جواب الشرط، ﴿اعلموا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
﴿أنَّ﴾ حرف توكيد ونصب، واسم الجلالة اسمها منصوب، ﴿عَزِيزٌ﴾ خبرها الأول مرفوع، و﴿حَكِيمٌ﴾ خبر ثانٍ مرفوع، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سدّ مسدّ مفعولي اعلموا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
لما أمر الله المؤمنين بدخول السلم كافة، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، قرن ذلك ببيان الجزاء الحتمي للعدول عن هذا الأمر، وأقام الحجة البالغة عليهم بسبق مجيء الآيات البينات، فلا عذر لمفرّط ولا عذر لزائل.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
جاءت الفاصلة ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ في غاية البلاغة والإعجاز؛ إذ حذف جواب الشرط الصريح وناب عنه الأمر بالعلم بهذين الاسمين الشريفين؛ ليدل على معنى إيجازي رهيب: إن زللتم فاعلموا أنه عزيز لا يعجزه الانتقام منكم، حكيم في معاقبتكم وتدبير أمور خلقه، فلم يقل "فيعذبكم" ليكون الإضمار أشد إيقاعاً في النفس وأبلغ في الزجر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تغليظ العقوبة بعد قيام الحجة:
تقرر الآية أصلاً عقلياً وتشريعياً أصيلاً: أن الانحراف بعد قيام الأدلة الساطعة والمعرفة اليقينية أقبح جرماً وأشد عاقبة من الانحراف الناشئ عن الجهل أو عدم البلاغ؛ ولهذا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، فالذنب مع العلم استكبار واستهانة بالجناب الإلهي.
الجمع بين صفتي العزة والحكمة في مقام التهديد:
قد يسأل سائل: لِمَ قيل ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ولم يقل "عزيز قهار" أو "شديد العقاب"؟ والجواب: أن العزة تدل على القدرة التامة على الانتقام، والحكمة تدل على أن إيقاع العقوبة إنما هو بالعدل والاستحقاق لا بالتشهي والظلم، فإذا زل الإنسان بعد البينة فالعقوبة واقعة بحكمة بالغة وقدرة لا تُرد.
الإيجاز بالحذف؛ حيث حُذف وعيد الزالّين وأقيم مقامه ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وهو من أبلغ فنون القول، لما يتركه في الذهن من التقديرات المهيبة التي لا يحصرها لفظ واحد.
إطلاق لفظ ﴿زَلَلْتُمْ﴾ للإشعار بأن أدنى انحراف أو ميل يُعد زللاً خطيراً يستوجب التحذير؛ لأن الزلل في المنحدر يقود إلى السقوط المريع في الهاوية.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال ابن عطية في المحرر الوجيز (ج١، ص٢٨٧): «هذا وعيد مؤكد مقترن ببرهان؛ لأن من علم أن الله عزيز حكيم خافه وحذره، وعلم أنه لا يفوته شيء ولا يفعل إلا ما هو عدل وحكمة».
*المحرر الوجيز* (ج١، ص٢٨٧)المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيزابن عطية١/٢٨٧
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
الحذر التام من الاستهانة بالذنوب بعد استبانة الحق والتعرف على الأحكام الشرعية.
ترسيخ هيبة الله وجلاله في القلوب، وتذكر عزته وحكمته عند ورود بواعث الهوى ونزغات الشيطان.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
قال ابن كثير في تفسيره (ج١، ص٥٦٦): «أي: اعلموا أنه عزيز في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يغلبه غالب، حكيم في أفعاله وأقواله، وقضائه وقدره».
الدلائل والإشارات:
تغليظ مؤاخذة المكلف إذا وقع في المخالفة بعد وضوح الحجة وقيام البينة: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
إثبات صفتي العزة والحكمة لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله.
التهديد البليغ للناكبين عن الصراط المستقيم بطريق الكناية والإيجاز.
إرساء مبدأ المسؤولية الفردية المقترنة بدرجة العلم والبلاغ.