استكمال لملحمة طالوت وجالوت؛ خرج طالوت بالجيش وكانوا نحو ثمانين ألفاً في حر شديد، فخشي طالوت من ضعف عزائمهم وتساقطهم عند لقاء العدو، فابتلاهم الله بنهر (بين الأردن وفلسطين وهو نهر الشريعة) ليميز الصابر المطيع من العاصي الخائر.
أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم (ج٢، ص٥٤١)مصدر غير محدد٢/٥٤١ عن ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وقتادة: أن طالوت قال لهم: إن الله مبتليكم بنهر؛ فمن شرب منه فليس من جندي ولا يتبعني، ومن لم يطعمه فإنه من رجالي إلا من اغترف غرفة واحدة بيده لبلّ ريقه، فوردوا النهر عطاشاً، فكرعوا منه وشربوا شرب الهيم وعصوا أمر قائدهم، فرجع سبعون ألفاً ونيف، ولم يثبت معه إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وهم الذين عبروا النهر وثبتوا في الامتحان.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب عدة أصحاب بدر، حديث رقم ٣٩٥٧) عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: حدثني أصحاب محمد ﷺ ممن شهد بدراً أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر: ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، قال البراء: «لا والله ما جاوز معه النهر إلا مؤمن».
وروى أحمد في المسند (رقم ٩٥٦) والترمذي (رقم ١٥٩٨)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٩٨ وصححه عن علي رضي الله عنه قال: كان فينا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً بعدة أصحاب طالوت.
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
حديث الاستنصار بالفئة القليلة الصابرة: أخرجه أحمد (رقم ٢١٨٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٨٢ وصححه أحمد شاكر عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يُغلب اثنا عشر ألفاً من قلة إذا صدقوا وصبروا».
*صحيحه* (كتاب المغازي، باب عدة أصحاب بدر، حديث رقم ٣٩٥٧)مصدر غير محددحديث رقم ٣٩٥٧*المسند* (رقم ٩٥٦)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٩٥٦
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَصَلَ
الفصل في الأصل: التمييز والتفريق وقطع الشيء عن غيره؛ وفصل بالقوات: قطع بها المسافة وانفصل عن الديار شاخصاً إلى العدو.
مُبْتَلِيكُمْ
الابتلاء: الاختبار والتمحيص الشديد ليتبين الصادق من الكاذب والمطيع من العاصي.
يَطْعَمْهُ
الطَّعْم: الذوق والتناول؛ يقال: طَعِمَ الشيء إذا ذاقه بمأكول أو مشروب؛ ومنه قوله تعالى في زمزم: «إنها طعام طُعْم وشفاء سُقْم».
غُرْفَةً
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص ﴿غُرْفَةً﴾ بضم الغين؛ وهو اسم للشيء المغروف الذي يملأ الكف؛ وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وشعبة عن عاصم ﴿غَرْفَةً﴾ بفتح الغين وهو مصدر المرة (أي اغترافة واحدة باليد).
يَظُنُّونَ
الظن هنا بمعنى اليقين والقطع الجازم برؤية الله وجزائه؛ كما في قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
فِئَةٍ
الجماعة من الناس المتضامنة المرجوّ نصرها؛ من فأوت رأس فلان إذا شققته، أو من الفيء وهو الرجوع لأنها يفيء بعضها إلى بعض في المعركة.
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ
الفاء عاطفة، ﴿لما﴾ ظرفية شرطية، ﴿فصل﴾ فعل ماضٍ، ﴿طالوت﴾ فاعل ممنوع من الصرف، ﴿بالجنود﴾ متعلق بفصل.
الفاء تفريعية، ﴿من﴾ اسم شرط جازم مبتدأ، ﴿شرب﴾ فعل الشرط، الفاء رابطة، ﴿ليس﴾ فعل ناسخ واسمه مستتر و﴿مني﴾ متعلق بمحذوف خبر ليس، وجملة ليس في محل جزم جواب الشرط.
وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي
معطوف؛ شرط وجوابه مؤكد بإن.
إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ
استثناء منقطع أو متصل؛ ﴿من﴾ اسم موصول في محل نصب، وجملة ﴿اغترف﴾ صلته، ﴿غرفة﴾ مفعول مطلق أو مفعول به، ﴿بيده﴾ متعلق باغترف.
فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
الفاء عاطفة، فعل وفاعل، ﴿إلا قليلاً﴾ استثناء متصل منصوب.
﴿كم﴾ خبرية تفيد التكثير مبنية في محل رفع مبتدأ، ﴿من فئة﴾ تمييزها مجرور بمن، ﴿قليلة﴾ نعت، وجملة ﴿غلبت فئة كثيرة﴾ في محل رفع خبر المبتدأ كم، ﴿بإذن الله﴾ متعلق بغلبت.
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
استئناف مقرر للمعية الإلهية الخاصة بالنصر والتأييد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
بعد أن سلم بنو إسرائيل بقيادة طالوت بظهور آية التابوت، اجتمع الجيش وتوجهوا إلى المعركة الفاصلة؛ فعقد طالوت لهم هذا الامتحان العسكري والروحي الصارم عند النهر؛ لتنقية الصف من الضعفاء والمتخاذلين قبل ملاقاة جيش جالوت الجرار؛ لأن وجود المنافقين والخائرين في الجيش يورث الهزيمة والفشل.
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التقسيم البديع لردود الفعل عند الابتلاء: أغلبية طاغية شربت واستسلمت للشهوة العاجلة فسقطت، وأقلية صابرة اغترفت غرفة واحدة أو امتنعت فعبرت وثبتت.
الحوار النفسي الرائع بين المنهزمين: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾، وبين أهل اليقين والرجاء في الله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
ختام الآية بالبشارة العظمى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾؛ فمعية الله هي سر الغلبة لا كثرة العدد والعتاد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أهمية "الانضباط العسكري" وتصفية الصفوف قبل المعارك:
تبين الآية سنة عسكرية وحضارية لا تتخلف: الجيوش لا تنتصر بكثرة الغثاء، بل بنوعية المقاتلين ومدى انضباطهم وطاعتهم للقيادة وقدرتهم على كبح شهواتهم؛ فمن عجز عن قهر شهوة الماء البارد العذب وهو في قمة العطش، فهو أعجز عن قهر خوفه أمام بريق السيوف وأهوال الحروب.
عقيدة التوكل وكسر الحتمية المادية في موازين القوى:
تقرر الآية القاعدة الذهبية في الصراع بين الحق والباطل: موازين النصر في الإسلام لا تخضع للحسابات المادية الصرفة وحدها؛ فالكثرة قد تكون وبالاً إذا خالطها الفشل والعصيان، والقلة المؤمنة الصادقة المتصلة بالله هي التي تصنع المعجزات وتقلب الموازين بإذن الله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ كما وقع تماماً في غزوة بدر والأحزاب وعين جالوت وحطين.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
التعبير بـ ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ و﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾؛ وهو تعبير قرآني رفيع في الموالاة والبراءة العسكرية والمبدئية؛ أي ليس على منهجي ولا من أتباع دعوتي وحملة أمانتي.
استعمال ﴿كَمْ﴾ التكثيرية؛ لفتح باب الأمل التاريخي العريض، وإشعار القلوب بأن غلبة الفئة القليلة المؤمنة على الكثرة الكافرة ليست حادثة استثنائية يتيمة، بل سنة تاريخية متكررة في مسيرة الصراع بين الإيمان والطغيان.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد (ج٣، ص١٩٨): «هذا مثل ضربه الله لأصحاب النبي ﷺ ولأمته من بعدهم؛ ليعلموا أن النصر ليس بالعدد والعدد، وإنما النصر بالصبر واليقين؛ فالذين قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هم الذين عبروا كل أنهار الشهوات والشبهات وتجردوا لله، فاستحقوا معيته ونصرته».
*زاد المعاد* (ج٣، ص١٩٨)زاد المعاد في هدي خير العبادابن القيم٣/١٩٨
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
تربية النفس على الانضباط وترك الشهوات عند ورود التكاليف والأزمات.
التخلص من عقدة الخوف من القوى الاستكبارية الكبرى وترساناتها العسكرية؛ فاليقين بالله ينزل السكينة ويجلب النصر المؤزر.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٦١): «إنه امتحان الطاعة والإرادة... لا بد من تصفية الصف وتخليصه من العناصر الرخوة التي تنهار عند أول صدمة؛ لأن انهيارها في الميدان أشد خطراً من غيابها ابتداءً... وحين تقف الفئة القليلة مستعلية بإيمانها، معتمدة على ربها، تتضاءل قوى الأرض كلها أمام عينها: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾».
الدلائل والإشارات:
مشروعية اختبار الجنود وتمحيص عزائمهم بالابتلاء قبل خوض المعارك: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾.
خطورة شهوات البطن والجسد وعجز من لا يضبط نفسه عن خوض غمار الجهاد.
التقعيد بأن القلة الصادقة الصابرة هي حجر الزاوية في صناعة الانتصارات الكبرى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.
إبطال مقاييس المادية المحضة في حسم المعارك، وربط النصر بمشيئة الله وإذنه: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
استحقاق معية الله الخاصة بالنصر والتأييد لأهل الصبر والثبات: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.