النتيجة الحتمية للاستعانة بالله والصبر؛ كتب الله الهزيمة الساحقة لجيش جالوت الجرار، وبرز الشاب الفتى داود عليه السلام (وكان جندياً صغيراً في جيش طالوت يرعى الغنم لإخوته وينقل لهم الزاد)، فقتل جالوت بحجر في مقلاعه أصاب جبهته فصرعه، فانفرط عقد العمالقة وهُزموا شر هزيمة، فصار داود بطلاً وقائداً وآتاه الله الملك والنبوة.
أخرج ابن جرير الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم (ج٢، ص٥٤٩)مصدر غير محدد٢/٥٤٩ عن ابن عباس، ومجاهد، والسدي: أن جالوت لما طلب البراز خافه رجال بني إسرائيل، فتقدم داود وكان شاباً رمياً بالمقلاع، فوضع فيه حجراً وسمى الله ورماه به ففلق هامته وقتله، وانهزم جيش جالوت، وتزوج داود ابنة طالوت ثم ورث الملك وجمع الله له بين الملك والنبوة والحكمة.
الآثار والمرويات التفسيرية المسندة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الأنبياء، باب أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، حديث رقم ٣٤٢٠) ومسلم في صحيحه (حديث رقم ١١٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، وأحب الصيام إلى الله صيام داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان لا يفرّ إذا لاقى». وهذا مصداق شجاعته وبأسه المذكور في الآية.
وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، حديث رقم ٢٠٧٢) عن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده» (صناعة الدروع والحديد).
التخريج الحديثي وضبط الروايات:
أخرج الحاكم في المستدرك (ج٢، ص٤٣٥) وصححه ووافقه الذهبي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ قال: علمه صنعة الدروع ولغة الطير وصوت المزامير وحسن القضاء.
*صحيحه* (كتاب الأنبياء، باب أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، حديث رقم ٣٤٢٠)مصدر غير محددحديث رقم ٣٤٢٠*صحيحه* (كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، حديث رقم ٢٠٧٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٧٢*صحيحه* (حديث رقم ١١٥٩)مصدر غير محددحديث رقم ١١٥٩*المستدرك* (ج٢، ص٤٣٥)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٤٣٥
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَهَزَمُوهُمْ
الهَزْم في أصل اللغة: الكسر والغمز؛ يقال: هزمت الشيء إذا كسرته وجعلت فيه هزمة؛ وهزم الجيش: كسر شوكته ورده مدبراً منهزماً.
النبوة وفصل الخطاب والعلم النافع وحسن القضاء والسياسة.
دَفْعُ اللَّهِ
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة ﴿دَفْعُ﴾ بسكون الفاء مصدراً لدفع الثلاثي؛ وقرأ الكسائي ويعقوب وخلف ﴿دِفَاعُ﴾ بكسر الدال وفتح الفاء وألف مصدراً لدافع على المبالغة والمفاعلة.
لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
الفساد: خروج الشيء عن الاستقامة والاعتدال؛ والمعنى: لتغلب الطغيان واستحكم الباطل وخربت معالم الدين وهلكت المجتمعات.
فَهَزَمُوهُمْ
الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسببية، فعل ماضٍ مبني على الضم، والواو فاعل، والهاء مفعول به والميم للجمع.
بِإِذْنِ اللَّهِ
جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بهزموهم بحال محذوفة؛ أي ملتبسين بإذن الله وتوفيقه.
وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ
فعل وفاعل ومفعول به ممنوعان من الصرف للعلمية والعجمة.
وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ
فعل ومفعول أول واسم الجلالة فاعل، ﴿الملك﴾ مفعول ثانٍ، ﴿والحكمة﴾ معطوف.
﴿لولا﴾ حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط، ﴿دَفْعُ﴾ مبتدأ مرفوع بالضمة وخبره محذوف وجوباً تقديره: موجود أو حاصل، واسم الجلالة مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، ﴿الناس﴾ مفعول به للمصدر منصوب، ﴿بعضهم﴾ بدل بعض من كل من الناس منصوب، ﴿ببعض﴾ متعلق بدفع.
لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
اللام واقعة في جواب لولا، جملة فعلية جواب شرط غير جازم لا محل لها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة بين الآية وما قبلها:
ختام قصة طالوت وجالوت بالبشارة العظمى: لما صدقوا في التوكل وقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، عقب بالفاء الفصيحة السريعة ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ لبيان سرعة استجابة الدعاء وتحقق النصر، ثم ارتقى النظم من تفاصيل القصة الجزئية إلى تقرير ناموس كوني واجتماعي عالمي خالد وهو: "سنة التدافع الحضاري".
التناسب الداخلي وبناء الفاصلة القرآنية:
التقابل الدقيق بين هلاك جالوت الطاغية وظهور داود النبي الملك الصالح: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
التذييل الفلسفي والتشريعي المعجز: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾؛ فلولا قيام أهل الحق بمقاومة أهل الباطل وجهادهم ومدافعتهم لاستبد الطغاة وأفسدوا المعمورة، ولكن رحمة الله وفضله بالعالمين تقضي بإبقاء سنة التدافع لحفظ التوازن والخير في الأرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الناموس القرآني في "سنة التدافع" وحفظ التوازن الكوني:
تؤسس الآية لقانون اجتماعي وفلسفي وتاريخي هائل؛ فالأرض لا تستقيم بالاستسلام والرهبانية والدعة أمام قوى الشر والظلم، وإنما جعل الله الصراع والمدافعة ناموساً حتمياً لعمارة الأرض وحفظ المصالح؛ فإذا استعلى الباطل قيّض الله له فئة مؤمنة تقاومه وتكسر شوكته؛ كما قال في سورة الحج: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾؛ فالجهاد والمدافعة رحمة للعالمين وفضل إلهي يحمي البشرية من التحلل والفساد.
عظمة شخصية داود عليه السلام وجمع خير الدنيا والآخرة:
تبرز الآية النموذج الكامل للتمكين؛ حيث جمع الله لداود عليه السلام بين الملك العادل والسلطان القوي، وبين النبوة والوحي والحكمة، وبين العمل اليدوي والصنعة النافعة، فكان نموذجاً فريداً للقائد الرباني.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الأسرار البلاغية والبيانية:
التقييد الجليل بـ ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ عقب ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾؛ لمنع العجب والغرور من التسلل إلى قلوب المنتصرين؛ فالهزيمة لم تقع بقوتكم المجردة، بل بإذن الله وتوفيقه ومشيئته وقدره.
إيثار لفظ ﴿الْفَضْلِ﴾ على العالمين في الفاصلة؛ لبيان أن وجود سنة التدافع والمجاهدة فضل ورحمة للأرض كلها، وليس عبئاً ولا نقمة.
الإشارات الإيمانية ولطائف التدبر:
قال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين (ج١، ص٤٩٨): «تأمل حكمة الله في خلقه وأمره؛ جعل دفع الباطل بالحق سبباً لصلاح العالم وحفظ الدين؛ فلو ترك أهل الشر يصولون بلا دافع لخربت الديار وبطلت الشرائع وهلك العباد، فكان أمره بالجهاد من أعظم الفضل على العالمين».
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثمرات السلوكية والتطبيق المعاصر:
اليقين بحتمية اندحار الباطل وقادته مهما تعاظم بطشهم وجبروتهم، وإدراك أن كل جالوت معاصر له داود يصرعه بحجر الحق بإذن الله.
النهوض بواجب المدافعة الفكرية والثقافية والسياسية والجهادية لدفع قوى الإفساد والانحلال عن مجتمعات المسلمين.
شهادات الأعلام ورؤى المصلحين:
كتب سيد قطب في الظلال (ج١، ص٢٦٥): «إنها القاعدة الكلية الكبرى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾... فساد الأرض بالركود والاستسلام لقوى الطغيان... فلا بد من حركة، لا بد من جهاد، لا بد من دفع؛ وبذلك تتجدد حيوية البشرية، وتتطهر الأرض من عفن الاستكانة والذل، وتنتصر قيم الحق والكرامة والتوحيد».
الدلائل والإشارات:
نسبة النصر وهزيمة الجيوش الباغية إلى إذن الله وتوفيقه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
مقتل الطاغية جالوت على يد داود عليه السلام وإظهار عظمة البأس الإيماني: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾.
تفضل الله على داود بالملك والنبوة والحكمة وصناعة الدروع: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
التأسيس القرآني العظيم لقانون "سنة التدافع" كشرط لصلاح الأرض وعمارتها: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.
تقرير فضل الله المطلق على جميع العالمين بتشريعاته وسننه الكونية: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.