روى الطبري في جامع البيان (19/315)مصدر غير محدد١٩/٣١٥ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: {طسم} حروف مقطعة افتتح الله بها السورة، وقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: اسم للسورة، وقيل: قسم أقسم الله به، والمعتمد عند المحققين من أهل السنة أنها حروف هجائية لا معنى لها في ذاتها ولكن لها مغزى عظيم في التحدي والإعجاز؛ للإشارة إلى أن هذا القرآن المعجز مؤلف من جنس هذه الحروف الهجائية التي يتخاطب بها العرب، ومع ذلك عجزوا عن معارضته بمثله.
ذكر ابن كثير (6/133)مصدر غير محدد٦/١٣٣: "تكلم المفسرون في الحروف المقطعة في أوائل السور، فمنهم من قال: استأثر الله بعلمها فردوا علمها إلى الله، ومنهم من فسرها بأسماء الله تعالى أو بحروف أسمائه، ومنهم من قال: إنما ذكرت هذه الحروف بياناً لإعجاز القرآن، وأن هذا الكتاب الذي بهر عقول الفصحاء مركب من هذه الحروف المقطعة التي ينطقون بها، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله دل على أنه تنزيل من حكيم حميد".
القراءات في هجاء {طسم}: أجمع القراء العشرة على قراءتها بسكون حروفها الثلاثة (طا، سين، ميم) مع إدغام نون "سين" في ميم "ميم" بغنة كاملة لحفص وجمهور القراء، وقرأ حمزة بإظهار النون عند الميم (طاسينْ ميم).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{طسم}: تُقرأ هكذا: "طا، سين، ميم". وهي حروف هجاء مقطعة مبنية على السكون لا محل لها من الإعراب، وقيل: في محل رفع مبتدأ خبره جملة {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ}، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه طسم، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: اقرأ طسم، أو في محل جر بواو قسم محذوفة.
الأصوات والمخارج: اشتملت الفاتحة على مخرجين متباعدين؛ الطاء من طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا وهو حرف استعلاء وإطباق وجهر وقوة، والسين من طرف اللسان فويق الثنايا السفلى وهو حرف صفير وهمس ورخاوة، والميم من الشفتين وهو حرف انحدار وتوسط وغنة؛ وهذا التباين الصوتي يمنح الكلمة إيقاعاً نغمياً صارخاً يسترعي الأسماع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاستهلال بالقرع الصوتي: افتتحت السورة بهذه الحروف الثلاثية المقرونة بالإعجاز لقرع أسماع المشركين الذين كانوا يتواصون: {لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}؛ فلما قرعت أسماعهم هذه الأصوات الغريبة المتقطعة أصاخوا واستمعوا.
الاقتران بذكر الكتاب: كعادة السور المفتتحة بالحروف المقطعة (ما عدا مريم والعنكبوت)، يعقبها مباشرة التنويه بالقرآن الكريم: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}؛ لإبراز التلازم بين مادة الحروف وعظمة المعجزة المنزلة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الرد على من يزعم أن الحروف المقطعة طلاسم سحرية أو لغات أعجمية:
أبطل علماء الإسلام المحققون هذه الدعوى؛ فالقرآن نزل بلسان عربي مبين تحدى به فصحاء مضر وربيعة، ولو كانت طلاسم أو أعجمية لما فهمها العرب ولكان لهم فيها حجة للاعتراض والتكذيب؛ فلما سكتوا عن الاعتراض عُلم أنها أسلوب عربي فصيح لافت للأنظار.
إبطال حساب الجمل والتنجيم بالأحرف المقطعة:
شدد أئمة السنة (كابن كثير والقرطبي وابن حجر) على بطلان استعمال هذه الحروف في حساب الجمل لمعرفة آجال الأمم أو استخراج طوالع الحوادث؛ فإن ذلك من مضاهاة الكهانة والافتراء على الله بلا علم.
براعة الاستهلال الصوتي: توليد الترقب في نفس السامع؛ لأن الابتداء بما لا يفيد معنى بمفرده يدفع الذهن دفعاً إلى التطلع إلى ما يليه من الكلام التام.
الإشارة إلى أسرار التنزيل: اجتماع صفات القوة والهمس والجهر والغنة في كلمة واحدة مقتضبة يشير إلى كمال البيان القرآني وائتلاف مبايناته في نسق إعجازي فريد.
تدبر عظمة التحدي: أن هذا الوحي العظيم الذي صرع البلغاء وعجز عنه الأولون والآخرون مركب من نفس أدوات كلامهم اليومي، فكان عجزهم عنه دليلاً قاطعاً على أنه وحي سماوي معجز.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
جذب انتباه المدعوين: استخدام الأساليب البلاغية والوسائل الجاذبة لكسر جمود السامعين وتنبيههم إلى الحق، تأسياً بالاستهلال القرآني.
تعظيم كتاب الله وتوقيره: استشعار الهيبة والخشوع عند سماع فواتح السور، والتسليم لعلم الله وحكمته البالغة.
التدبر في بلاغة التنزيل: الوقوف عند كل حرف وكلمة في القرآن بعين التأمل والتعظيم دون استعجال ولا ملل.