روى الطبري (19/353)مصدر غير محدد١٩/٣٥٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما رأى فرعون سجود السحرة وانقلاب النصر إلى هزيمة ماحقة أمام شعبه، أصابته نوبة جنون واستكبار، وصرخ فيهم منكراً ومكابراً: {آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}؛ أي كيف تجرؤون على الإيمان بموسى وتصديقه وتغيير دينكم بغير إذن مني ولا موافقة من سلطاني؟! ثم رمى السحرة بفرية مفضوحة ليغطي على هزيمته فقال: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} أي إن هذا مؤامرة مبيتة بينكم وبين موسى، وموسى هو أستاذكم الأكبر في السحر تواطأتم معه لتغلبوه وتهدموا دولتي!
ثم أصدر حكم الإعدام الوحشي الانتقامي: {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عاقبة تمردكم؛ {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ} بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} على جذوع النخل في الميادين العامة لتبقوا عبرة لكل من يفكر في التمرد على فرعون.
قال ابن كثير (6/147)مصدر غير محدد٦/١٤٧: "هذا من أظهر الكذب والبهتان وأبين المكابرة التي يعلم كل عاقل بطلانها؛ فإن السحرة لم يروا موسى قط قبل ذلك اليوم، وإنما جمعهم فرعون بنفسه من قرى مصر ومدائنها، وموسى لم يكن ساحراً ولم يعاشرهم قط؛ ولكن فرعون افترى هذه التهمة ليلبس على دهماء قومه ورعاعهم لئلا يتبعوا السحرة في الإيمان".
بين القرطبي (13/115)مصدر غير محدد١٣/١١٥: فرعون هو أول من سن في التاريخ عقوبة قطع الأطراف من خلاف والصلب على الجذوع؛ تفنناً في البطش والتعذيب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو (فرعون).
{آمَنتُمْ}: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل والميم للجمع، والهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي محذوفة (أآمنتم له).
{لَهُ}: جار ومجرور متعلقان بـ "آمنتم"، واللام لتضمين الإيمان معنى الانقياد والتسليم لموسى.
{قَبْلَ}: ظرف زمان منصوب متعلق بـ "آمنتم"، وهو مضاف.
{أَنْ آذَنَ}: المصدر المؤول من أن والفعل في محل جر مضاف إليه لـ "قبل"؛ وآذن فعل مضارع منصوب بأن وفاعله مستتر تقديره أنا؛ والإذن: إعطاء الإجازة والرخصة في الفعل.
{لَكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ "آذن".
{إِنَّهُ}: إن حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها يعود على موسى.
{لَكَبِيرُكُمُ}: اللام المزحلقة، كبيركم خبر إن مرفوع بالضمة، وهو مضاف والكاف مضاف إليه والميم للجمع؛ والكبير هنا رئيسهم في التعليم والقدوة.
{الَّذِي}: اسم موصول نعت لـ "كبيركم" في محل رفع.
{عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ}: علم فعل ماض وفاعله مستتر والكاف مفعول أول والسحر مفعول ثان، والجملة صلة الموصول.
{لَأُقَطِّعَنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم المحذوف، أقطعن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره أنا، والنون للتوكيد؛ والتضعيف في "أقطعن" يدل على المبالغة والتشويه والتكرار.
{أَيْدِيَكُمْ}: مفعول به منصوب بالفتحة وهو مضاف، والكاف مضاف إليه.
{وَأَرْجُلَكُم}: معطوف على أيديكم منصوب.
{مِّنْ خِلَافٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (مختلفة)؛ أي اليد اليمنى مع الرجل اليسرى.
{وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ}: عطف على لأقطعن، والصلب هو الشد والتعليق على الخشب حتى الموت.
{أَجْمَعِينَ}: توكيد معنوي منصوب بالياء للكاف في "لأصلبنكم"؛ لبيان شمول العقوبة للجميع بلا استثناء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانفجار الهستيري للاستبداد: المشهد يصور حالة السعار التي تصيب الطاغية حين يفقد سيطرته على عقول الناس؛ لم يعد يناقش معجزة العصا، بل ركز كل غضبه على "انتهاك بروتوكول السلطة": كيف تؤمنون بلا إذن مني؟!
توالي العقوبات السادية: التدرج في التهديد؛ من الوعيد المجمل ({فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ})، إلى التشويه والتقطيع ({لَأُقَطِّعَنَّ})، إلى الإعدام البطيء المشهر في الميادين العامة ({وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ})؛ ليكون الإرهاب وسيلته الأخيرة لمنع انتقال عدوى الإيمان إلى الجماهير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شمولية الاستبداد ومصادرة حرية الضمير:
تفضح الآية جوهر الدولة الشمولية؛ فرعون يرى أن عقول الرعية وقلوبهم وضمائرهم ملك خالص له، لا يحق لأحد أن يؤمن أو يفكر أو يغير قناعته إلا بعد الحصول على "تصريح حكومي" وإذن رسمي: {قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}؛ وهذا قمة استعباد الإنسان لأخيه الإنسان.
صناعة المؤامرة الوهمية (نظرية المؤامرة):
عندما يعجز المستبد عن تفسير يقظة الجماهير وتحول النخب، يلجأ فوراً إلى نظرية المؤامرة السخيفة: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ}؛ ليوهم الشعب أن ما حدث مسرحية متفق عليها، لكي يبرر سحقهم وقتلهم بحجة "الخيانة العظمى والتآمر الداخلي".
الاستفهام الاستنكاري الإنكاري {آمَنتُمْ لَهُ}: يعكس دهشة المستبد المذعور الذي لا يستوعب كيف تحطمت هيبته في ثوانٍ.
المبالغة بصيغ التفعيل والتوكيد: {لَأُقَطِّعَنَّ}، {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ}؛ استعمال وزني التكثير مع نونات التوكيد الثقيلة لإبراز السادية والوحشية في الانتقام.
التوكيد بـ {أَجْمَعِينَ}: لقطع طمع أي واحد منهم في العفو أو الاستثناء، وفرض الإرهاب الجماعي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رفض الوصاية على الإيمان والضمير: التأكيد على أن الإيمان بالله حق أصيل لكل إنسان، لا يستأذن فيه حاكماً ولا سلطاناً ولا قانوناً وضعياً؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
فضح أكاذيب التخوين والتآمر: عدم الاكتراث باتهامات الأنظمة الفاسدة التي تصف دعاة الحق بالخيانة والتآمر الخارجي؛ فتلك تهمة فرعونية موروثة.
الاستعداد للابتلاءات العظمى: أن يدرك المؤمن أن الثبات على الحق قد يكلفه حياته وأطرافه، وأن التضحية في سبيل الله هي أسمى مراتب الصدق والإيمان.