إنكار هود على عاد بناء الصروح العالية للعبث والمفاخرة:
روى الطبري (19/404)مصدر غير محدد١٩/٤٠٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} قالوا: الرِّيع: هو المكان المرتفع المشرف من الأرض كالهضاب والتلال والروابي الشاهقة؛ والآية: البناء الشامخ والعَلَم المشهور والبرج العظيم؛ تعبثون: أي تبنون ما لا تحتاجون إليه لغير مصلحة ولا سكن، بل للهو والمفاخرة وسخرية بالمارة وإظهاراً للبطر والقوة.
قال ابن كثير (6/158)مصدر غير محدد٦/١٥٨: "الريع: هو الطريق المشرف أو المكان المرتفع؛ والآية: البناء المحكم المشهور كالبرج والصرح الشامخ؛ ولهذا أنكر عليهم نبيهم هود عليه السلام هذا الصنيع؛ لأنهم بنوا هذه الأبنية عبثاً ومباهاةً وتطاولاً لغير حاجة ولا نفع ديني أو دنيوي، بل لمجرد اللهو وإظهار العظمة".
قال القرطبي (13/115)مصدر غير محدد١٣/١١٥: "أنكر عليهم الإسراف في البناء لغير حاجة؛ والعبث: كل فعل لا تعود منه فائدة دينية ولا دنيوية حقيقية".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بِكُلِّ}: جار ومجرور متعلق بالفعل {تَبْنُونَ}، وهو مضاف.
{رِيعٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والرِّيعُ لغةً: المرتفع من الأرض أو الجبل أو الطريق الواسع بين جبلين.
{آيَةً}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ والمراد بالآية: المعلم البارز والصرح الشاهق الذي يُهتدى به أو يُتعجب من ضخامته.
{تَعْبَثُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل {تَبْنُونَ} (أي تبنون متلبسين بالعبث والمباهاة).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفكيك مظاهر الفساد الحضاري لعاد:
شرع هود في نقد أركان حضارة عاد الفاسدة، فبدأ بمظهر الاستعلاء المعماري والإنفاق الترفي العابث: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ}؛ ليوضح كيف تنحرف الأمم حين تفرغ طاقاتها في الشكليات والبهرجة الجوفاء دون أثر نافع للإنسانية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق بين البناء النافع والبناء الترفي العابث:
محاكمة عقلية حضارية: الإسلام لا يحرم البناء المحكم ولا العمارة النافعة لعمارة الأرض وإيواء الناس وتأمين المعاش؛ وإنما أنكر هود على عاد البناء الذي لا قصد منه إلا المباهاة والخيلاء وإهدار الموارد في أماكن مرتفعة بلا سكن ولا حاجة؛ وهذا عين السفه الاقتصادي والانحراف القيمي، حيث يموت المحتاجون جوعاً بينما تُصرف الملايين على ناطحات السحاب الخالية التي لا يسكنها أحد!
تسمية البناء الشامخ بـ {آيَةً}: استعارة تهكمية؛ لأنهم اتخذوها علماً يعجب به الناظرون ورمزاً لعظمتهم، فصارت آية على بطرهم وسفههم.
الحال في {تَعْبَثُونَ}: كشف للباعث النفسي السقيم؛ فالعمل ضخم وشاق لكن الغاية تافهة عابثة؛ وهذا تناقض مشين.
تدبر مآل الترف: أين تلك الصروح والأبراج التي شيدوها في كل ريع؟! أضحت تراباً ورمالاً سافية في الأحقاف، ولم يبقَ منها إلا الذكر المذموم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترشيد الإنفاق ومحاربة البذخ: على الأمة المسلمة أن توجه أموالها وطاقاتها إلى المشاريع المنتجة والبنى النافعة التي تخدم الإنسان وتدعم المجتمع، لا إلى المشروعات الاستعراضية الفارغة.
تذكر قصر الأجل: العاقل لا يبني ما لا يسكنه، ولا يجمع ما لا يأكله، ولا يشغل عمره القصير في تزيين دار الفناء على حساب دار البقاء.