روى الطبري (19/423)مصدر غير محدد١٩/٤٢٣ عن قتادة وابن عباس ومجاهد: {ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ} أي ثم أهلكنا وسحقنا وقلبنا واستأصلنا سائر من بقي في القرية من الكفار المكذبين؛ فجعل الله عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، فلم يبقَ منهم باقية ولا أثر.
قال ابن كثير (6/162)مصدر غير محدد٦/١٦٢: "التدمير: هو الهلاك المستأصل الذي لا يبقي شيئاً؛ خرب الله بلادهم، وجعل موضعها بحيرة منتنة قذرة لا ينتفع بمائها ولا بما حولها، وهي بحيرة لوط (البحر الميت) إلى يوم القيامة، عبرة للمعتبرين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي في الرتبة والمنزلة لتهويل الحدث.
{دَمَّرْنَا}: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بـ (نا) الفاعلين، و(نا) فاعل؛ والتدمير: إسقاط البناء وسحق الكيان وتخريبه وإهلاك من فيه.
{الْآخَرِينَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والمراد بالآخرين: الكفار الفسقة الذين بقوا في سدوم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة بين النجاة والتدمير:
في الآية 170: نجاة المتقين ({فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ}).
في الآية 172: تدمير الفاسقين ({ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ}).
وبينهما في الآية 171 استثناء الخائنة ({إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ})؛ فاكتملت صورة العدالة الإلهية في تمييز كل فريق بجزائه المستحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
خصوصية عقوبة التدمير لقوم لوط:
محاكمة كونية: لماذا جمع الله لقوم لوط بين عدة عقوبات (قلب القرى، والرجم بالحجارة، والخسف)؟!
الجواب: لأن فاحشتهم كانت أشنع الفواحش التي نكست الفطرة رأساً على عقب؛ فقابل الله انتكاس فطرتهم بانتكاس قراهم فجعل عاليها سافلها، وقابل رجمهم لكرامة الإنسانية برجمهم بحجارة من سجيل مسومة عند ربك للمسرفين؛ فكان الجزاء من جنس العمل عدلاً ووفاقاً.
الإيجاز المفزع بلفظ {دَمَّرْنَا}: كلمة تدل على السحق والإبادة ومحو الوجود الحضاري والسكاني تماماً في لحظة واحدة.
التعبير بـ {الْآخَرِينَ}: إشعار بأنهم صاروا مجرد كائنات مهملة ختامية استحقوا الطمس بعد أن صعد الأبرار لبر السلامة.
تدبر آيات البحر الميت: انظر إلى أخفض بقعة على وجه الأرض اليوم، مياه مالحة كبريتية ميتة لا حياة فيها ولا أسماك، تشهد على عمق التدمير الإلهي لقرى الشذوذ والفاحشة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف من بأس الله وانتقامه: إذا غضب الجبار على أمة قلَب عاليها سافلها ومحا آثارها في لحظة خاطفة؛ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
التطهير الحتمي للأرض: الأرض لله يرثها عباده الصالحون، وإذا تمادى المفسدون في تدنيسها طهرها الله بسنن التدمير والاستبدال.