روى الطبري (19/429)مصدر غير محدد١٩/٤٢٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} قالوا: الكِسَف: جمع كِسْفة، وهي القِطَع من الشيء؛ والمعنى: إن كنت صادقاً في أنك رسول من الله، وأن الله سيعذبنا إن كذبناك، فادعُ ربك أن يسقط علينا قطعاً وحجارة وعذاباً من السماء فتهلكنا؛ وهذا غاية العناد والتهكم كقول قريش: {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا}، وقولهم: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ}.
قال ابن كثير (6/164)مصدر غير محدد٦/١٦٤: "سألوا تعجيل العذاب تعجيزاً واستبعاداً واستهزاءً؛ والكسف: هي القطع، قرئ بفتح السين جمعاً، وبسكونها مفرداً؛ فطلبوا هلاك أنفسهم بألسنتهم".
قال القرطبي (13/126)مصدر غير محدد١٣/١٢٦: "قرأ حفص عن عاصم: {كِسَفًا} بفتح السين جمع كِسفة وهي القطعة؛ وقرأ الباقون: {كِسْفًا} بإسكان السين على الإفراد أو اسم جنس جمعي؛ وطلبهم هذا كفر بواح وجرأة على الله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَأَسْقِطْ}: الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر (إن كنت رسولاً فأسقط)؛ {أَسْقِطْ}: فعل أمر للتعجيز والاستهزاء مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره (أنت).
{عَلَيْنَا}: جار ومجرور متعلق بالفعل {أَسْقِطْ}.
{كِسَفًا}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ والكِسَف جمع كِسْفة وهي القطعة والجانب من السحاب أو العذاب أو جرم السماء.
{مِّنَ السَّمَاءِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ {كِسَفًا}.
{إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}: إعرابها متطابق مع النظائر السابقة؛ إن شرطية جازمة، وجملة كان واسمها وخبرها في محل جزم فعل الشرط، والجواب محذوف دل عليه ما قبله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
طلب الهلاك باليد واستعجال العقوبة:
لما كذبوه (الآية 186)، لم يكتفوا بالتكذيب النظري بل انتقلوا إلى التحدي العملي وطلب العذاب الصارم: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا}؛ ففتحوا على أنفسهم باب النقمة التي لا ترد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
جهل المستكبرين بحقيقة قدرة الله:
محاكمة منطقية ونفسية: بدلاً من أن يقولوا: "إن كان هذا هو الحق فاهدنا إليه"، قالوا: "فأسقط علينا كسفاً من السماء"! وهذا هو السفه العقلي الذي يورثه التكبر والعمى؛ فالمكذب يستعجل حتفه وهو يظن أنه يعجز الله ورسوله، وما علم أن السماء وما فيها رهن كلمة واحدة من الخالق الجبار.