روى الطبري (19/320)مصدر غير محدد١٩/٣٢٠ عن قتادة ومجاهد: {فَقَدْ كَذَّبُوا} أي كذب مشركو قريش بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم، {فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي عواقب وأخبار تكذيبهم واستهزائهم بالوحي وعذاب الله، وسيحل بهم ما توعدهم به من العذاب عياناً؛ وقد رأوا ذلك يوم بدر حين قُتل صناديدهم وقُذفوا في القليب، وسيرون تمامه يوم القيامة في جهنم.
قال ابن كثير (6/135)مصدر غير محدد٦/١٣٥: "أي كذبوا بالحق الذي جاءهم واستهزؤوا به، فسيرون عاقبة هذا التكذيب وذلك الاستهزاء نكالاً ووبالاً عليهم؛ والسين في 'فسيأتيهم' لتأكيد الوعيد وقربه؛ فإن كل ما هو آت قريب".
بين القرطبي (13/90)مصدر غير محدد١٣/٩٠: الأنباء جمع نبأ، وهو الخبر العظيم الشأن؛ والمعنى: سيأتيهم حقيقة ما كانوا يسخرون منه من الوعد بالنصر والوعيد بالعذاب، حين يتحول الغيب إلى شهادة فيعاينون الهلاك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَقَدْ}: الفاء فصيحة عاطفة لترتيب الجزاء على الإعراض، "قد" حرف تحقيق وتأكيد.
{كَذَّبُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل؛ والمفعول محذوف تقديره كذبوا بالذكر أو بالقرآن.
{فَسَيَأْتِيهِمْ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب وترتيب الوعيد، والسين حرف استقبال يفيد القرب والتأكيد، يأتيهم فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والهاء مفعول به أول والميم للجمع.
{أَنبَاءُ}: فاعل مؤخر لـ "يأتي" مرفوع بالضمة، وهو جمع نبأ، والنبأ أخص من الخبر؛ إذ لا يطلق إلا على الخبر ذي الشأن والأهمية.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص، والواو اسمها.
{بِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ "يستهزئون"، وقُدما لإفادة الاختصاص.
{يَسْتَهْزِئُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل نصب خبر كان، وجملة كانوا صلة الموصول والعائد الضمير في "به". والاستهزاء: السخرية والاستخفاف بالحق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج من الإعراض إلى التكذيب إلى الاستهزاء: تدرج بياني سيكولوجي مذهل في كشف انحدار الكفار؛ بدأ بـ {مُعْرِضِينَ} (مجرد الصدود والانصراف)، ثم ترقى إلى {كَذَّبُوا} (إعلان الرفض الجازم للحق)، ثم ارتقى إلى الغاية في العناد: {يَسْتَهْزِئُونَ} (السخرية الوقحة والاستخفاف)، فاستحقوا بذلك حلول الأنباء المفزعة.
التمهيد للاستدلال بالآفاق: لما بين مآل استهزائهم بالوحي المنزول، دعاهم في الآية التالية للنظر في كتاب الله المنظور في الأرض: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا}؛ لعل الآيات المشهودة توقظ عقولهم من سكرة الاستهزاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حتمية تحقق الوعيد الإلهي:
محاكمة عقلية صارمة تسقط غرور المستهزئين؛ فالاستهزاء والسخرية ليسا حجة ولا برهاناً، بل هما سلاح العاجز المفلس الذي يفر من منازلة الدليل.
إمهال الله للمستهزئين وتأخير العذاب عنهم ليس دليلاً على رضا الله عنهم ولا على بطلان الوعيد، بل هو استدراج حتى ينضج الحساب، ثم تأتي الأنباء بغتة وهم لا يشعرون.
صدق النبوة بنصر بدر وفتح مكة:
الآية نبوءة غيبية قاطعة نزلت بمكة في وقت استضعاف المسلمين وشدة شوكة قريش، فتحققت بحذافيرها بعد سنوات قليلة في بدر وفتح مكة بظهور أنباء الحق واندحار المستهزئين؛ وهذا برهان ساطع على صدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.
الدقة البلاغية في استعمال {أَنبَاءُ} دون "أخبار": للإشارة إلى عظم هول العواقب وفظاعتها، وأنها ستكون أحداثاً جلية تهز كيانهم.
دخول السين في {فَسَيَأْتِيهِمْ}: دلالة على تحقق الوقوع وقربه؛ فكل ما هو آت قريب، وعمر الدنيا قصير بالنسبة لعذاب الآخرة.
تدبر عاقبة السخرية بالدين: الساخر بالحق يسخر في الحقيقة من نفسه؛ لأن سياط العذاب التي يستهزئ بها ستكون هي عين ما يحيط به ويهلكه: {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات والصمود أمام حملات السخرية: ألا يضيق صدر الداعية أو المسلم حين يرى الملاحدة وأهل الشهوات يسخرون من شعائر الإسلام والحجاب والسنن؛ فتلك سنة المستهزئين في كل عصر، وعاقبتهم الخسران.
الحذر التام من الاستهزاء بشيء من الدين: تجنب التندر بالأحكام الشرعية أو الاستخفاف بالفرائض، فإن الاستهزاء بالدين ناقض من نواقض الإيمان وموجب لغضب الجبار.
اليقين المطلق بانتصار الحق: الثقة بأن الله ناصر دينه ومظهر كلمته، وأن جولة الباطل ساعة وجولة الحق إلى قيام الساعة.