روى الطبري (19/341)مصدر غير محدد١٩/٣٤١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {وَنَزَعَ يَدَهُ} أي أخرج يده من جيبه من تحت إبطه بعد أن أدخلها فيه، {فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ} أي تلألأ نورها يتوقد ساطعاً كفلقة القمر أو كالشمس المضيئة في وسط السماء؛ وكان موسى عليه السلام رجلاً آدم شديد السمرة، فخرجت يده بيضاء نورانية من غير برص ولا بهق ولا علة، تبهر أبصار الناظرين وتضيء المكان، ثم إذا أعادها إلى جيبه عادت إلى لونها الأدم الأول.
قال ابن كثير (6/143)مصدر غير محدد٦/١٤٣: "هذه هي الآية الثانية؛ وهي برهان اليد البيضاء النيرة الساطعة، التي تضيء ما بين السماء والأرض من غير سوء ولا مرض؛ كما قال تعالى في طه: {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ}؛ ليدل على أنه نور رباني إلهي معجز".
بين القرطبي (13/108)مصدر غير محدد١٣/١٠٨: جمع الله لموسى بين آيتين متكاملتين:
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَنَزَعَ}: الواو عاطفة، نزع فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو (موسى). والنزع: الجذب والإخراج بقوة وبسرعة بعد إدخال وتمكن.
{يَدَهُ}: مفعول به منصوب بالفتحة وهو مضاف، والهاء مضاف إليه.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة تفيد المفاجأة والتعقيب، "إذا" فجائية لا محل لها من الإعراب.
{هِيَ}: ضمير منفصل مبتدأ يعود على اليد (وهي مؤنثة مجازياً).
{بَيْضَاءُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة ممنوع من الصرف لأنه على وزن فَعْلاء مؤنث أَفْعَل، ولم ينون؛ والبياض هنا بياض النور والضياء الوهاج.
{لِلنَّاظِرِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ "بيضاء" أو بـ "بيضاء" نفسها؛ واللام للبيان أو التعليل، والناظرين جمع مذكر سالم مجرور بالياء؛ أي بيضاء واضحة مشهودة لكل من نظر إليها بلا التباس.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال الزوجية الإعجازية (آيتان كبريان): ختام المشهد الإعجازي الأول بالجمع بين آية العصا وآية اليد؛ لتكتمل الآيات التسع التي آتاها الله لموسى، ولتخرس كل ألسنة الشك في قصر فرعون.
التمهيد لرد فعل فرعون بالمكر والسحر: هذا الإبهار الساحق بالثعبان الهائل والنور الساطع جعل فرعون عاجزاً عن الإنكار، مما دفعه في الآية التالية مباشرة (34) إلى اللجوء لمؤامرة السحرة: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
نفي المرض والبرص بقيد الرؤية والنور:
رد أئمة السنة على من يتوهم أن بياض يد موسى كان بياض مرض جلدي كالبرص أو البهاق؛ فالقرآن قيده في طه والقصص بقوله: {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ}، وبقوله هنا: {لِلنَّاظِرِينَ}؛ أي بياض نور شعاعي يبهر الأعين كالمصباح الوضاء، والبرص تنفر منه النفوس ويعاب به صاحبه، بينما معجزات الأنبياء تكون آيات جلال ونور تملأ القلوب هيبة وإعجاباً.
طواعية الجسد البشري للمشيئة الإلهية:
تبين الآية أن قوانين الفيزياء والكيمياء والخلايا خاضعة لبارئها سبحانه؛ فتبدل صبغة الجلد في ثانية واحدة إلى مصدر ضوئي مشع ثم رجوعها إلى طبيعتها بلمسة واحدة برهان حسي على طلاقة القدرة الإلهية التي تفعل ما تشاء.
الدقة في فعل {نَزَعَ}: النزع يدل على إخراج اليد بسرعة وقوة وجلاء بعد استقرارها في الجيب، ليكون خروج النور كأنه انبثاق الفجر من قلب الظلام.
تكرار "إذا الفجائية" للمرة الثانية {فَإِذَا هِيَ}: لتأكيد أن المعجزات الإلهية فورية خارقة تتحدى القوانين السببية التراكمية.
الإشارة التدبرية النورانية: يد موسى التي تجردت لله وبطشت بالظلمة صارت تشع نوراً وهدى للعالمين؛ فكل جارحة يستعملها العبد في طاعة الله يفيض الله عليها من نوره وبصائر إيمانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الجمع بين أساليب النذارة والبشارة في الدعوة: التأسي بموسى عليه السلام في الجمع بين آيات الهيبة والرهبة (كالثعبان) وآيات الرجاء والنور (كاليد البيضاء)؛ لتحريك القلوب بالخوف والرجاء معاً.
استحضار نور الإيمان في الوجه والجوارح: أن يحرص المسلم على تزيين باطنه بالتقوى وظاهره بالعمل الصالح، فإن الطاعة تورث نوراً في الوجه، وضياءً في القلب، وقبولاً في نفوس الخلق.
ختام المقطع باليقين والتمكين: اليقين بأن الحق يملك من الدلائل النيرة ما يزهق كل ظلمة، وأن حجج التوحيد أسطع من الشمس في رابعة النهار.