روى الطبري (19/383)مصدر غير محدد١٩/٣٨٣ عن قتادة ومجاهد: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ} أي يوم لا يغني عن صاحبه مال جمعه في الدنيا فيفتدي به من عذاب الله، ولا ينفعه بنون ولا عشيرة كانوا عزوته وظهره، فلا يدفعون عنه مثقال ذرة من بأس الله.
قال ابن كثير (6/154)مصدر غير محدد٦/١٥٤: "أي لا يقي المرء من عذاب الله ثروته ولو افتدى بملء الأرض ذهباً، ولا يغني عنه أولاده ولو كان ملء الأرض بنين؛ كما قال تعالى: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ}، وقال: {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ}".
روى البخاري (6538) ومسلم (2805) عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَنْ لاَ تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَوْمَ}: بدل من {يَوْمَ يُبْعَثُونَ} منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف.
{لَا}: حرف نفي مبني على السكون.
{يَنفَعُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{مَالٌ}: فاعل مرفوع بالضمة، والتنكير للعموم والتقليل (أي لا ينفع أي نوع من المال ولا أدنى مقدار منه).
{وَلَا}: الواو عاطفة، {لَا}: لتأكيد النفي.
{بَنُونَ}: اسم معطوف على {مَالٌ} مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم؛ والجملة الفعلية في محل جر بالإضافة لـ {يَوْمَ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تخصيص المال والولد بالذكر:
لما كانت زينة الحياة الدنيا وأعظم ما يفتخر به الإنسان ويعتمد عليه في دفع المكاره وقضاء الحوائج محصورة في المال (للفداء والاستعانة) والأولاد (للنصرة والحماية والمنعة)، نفى الله نفعهما في ذلك اليوم؛ ليبين تجرد الإنسان التام من كل قوى الدعم الدنيوي وانفراده بعمله وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انتفاع المؤمن بصدقته ودعاء ولده الصالح:
شبهة: ورد في الحديث: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ... أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، فكيف يُجمع بينه وبين الآية؟
الجواب المحكم: النفي في الآية منصب على المال والولد بذاتهما المجردة عن الإيمان، أو على سبيل الفداء الدنيوي والنصرة العصبية؛ أما الصدقة الجارية والولد الصالح فمن آثار الإيمان والعمل الصالح الذي اكتسبه العبد بقلبه السليم؛ فالانتفاع لم يكن بذات المال بل بالعمل الصالح المبذول فيه، ولم يكن بعصبية البنين بل بصلاحهم ودعائهم الذي قبله الله رحمةً بالمؤمنين.
عموم النفي بتقديم النكرة في سياق النفي: {لَا يَنفَعُ مَالٌ}؛ أي جنس المال وكل ذرة منه باطلة النفع بلا إيمان.
تقديم المال على البنين: لأن حاجة الإنسان لإنفاق المال في دفع المضار أعم وأكثر مباشرة، ولأن المال فتنة عامة تبتلى بها كل النفوس، ثم ثنى بالبنين لأنهم أعز ما يملكه الإنسان عاطفياً.
تدبر تبدل الموازين: ما كان بالأمس مصدر القوة والجاه في الدنيا يصبح اليوم عديم الفائدة إذا خلا من تقوى الله وإخلاص القلب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير القلب من عبودية الدينار والدرهم: المال وسيلة لا غاية؛ فمن جعله خادماً لآخرته أفلح، ومن اتخذه رباً وعصمةً خسر الدنيا والآخرة.
تربية الأولاد على الصلاح: الاستثمار الحقيقي في الذرية ليس بتأمين مستقبلهم الدنيوي فحسب، بل بتوريثهم التقوى والتوحيد ليكونوا ستراً لوالديهم من النار.