روى الطبري (19/386)مصدر غير محدد١٩/٣٨٦ عن قتادة ومجاهد: {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ} أي وقالت الملائكة الخزنة لهؤلاء الغاوين المشركين توبيخاً وتقريعاً وإظهاراً لعجزهم: أين الآلهة والأصنام والأنداد التي كنتم تعبدونها وتزعمون أنها تشفع لكم عند الله وتدفع عنكم المكاره؟
قال ابن كثير (6/154)مصدر غير محدد٦/١٥٤: "أي قيل لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله من الأصنام والأنداد تقريعاً وتوبيخاً وتبكيتاً: أين ما كنتم تعبدون وتتخذونهم أولياء من دون الله؟ فليحضروا الآن لينقذوكم من هذا العذاب المقيم!".
قال القرطبي (13/108)مصدر غير محدد١٣/١٠٨: "القائل هو الله تعالى أو الملائكة بأمره؛ وسؤال 'أين' ليس لطلب مكانها، بل لإظهار غيبتها وانعدام نفعها وبطلان الرجاء فيها".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَقِيلَ}: الواو عاطفة، {قِيلَ}: فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الفتح؛ وحُذف الفاعل للدلالة على أن التقريع يأتيهم من كل جهة (من الله تعالى ومن الملائكة ومن أنفسهم).
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بالفعل {قِيلَ}، والضمير عائد على الغاوين.
{أَيْنَ}: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم؛ والاستفهام للتقريع والتوبيخ وإظهار العجز والفضائح.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر؛ وجملة الاستفهام مقول القول في محل نصب أو نائب فاعل للفعل المبني للمجهول.
{كُنتُمْ}: فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{تَعْبُدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ والجملة خبر {كُنتُمْ}؛ وصلة الموصول {مَا} محذوفة العائد أي (تعبدونه).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تطابق التقريع الأخروي مع الإنكار الدنيوي:
روعة نظمية مذهلة: في الدنيا سألهم إبراهيم عليه السلام: {مَا تَعْبُدُونَ} (الآية 70)، وفي الآخرة يُقال لهم نفس التساؤل توبيخاً: {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ}؛ ليذوقوا مرارة المكابرة ويشهدوا عيان ما أنذرهم به نبيهم في دار المهلة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
فضيحة الآلهة المزيفة عند الحاجة الماسة:
المحاكمة العقلية تبلغ ذروتها: الإله الحق هو الذي يظهر وقت الشدة وينقذ أولياءه في الكرب العظيم؛ أما آلهة الشرك فتتبخر وتغيب تماماً في أعظم مواقف الاحتياج، كما قال تعالى: {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}؛ فبأي عقل كان أولئك الغواة يربطون مصيرهم الأبدي بحجارة تفر وتغيب في يوم الفزع الأكبر؟!
بناء الفعل للمجهول في {قِيلَ}: لإشعار السامع بمهابة الجو وقوة التقريع الذي يملأ الأسماع دون حاجة لتخصيص القائل، فالصوت يدوي في أرجاء المحشر كالصاعقة.
استعمال {مَا} لما لا يعقل: تحقيراً لتلك الآلهة وإبرازاً لخستها وعجزها التام عن الإدراك والفعل.
تدبر خيبة الرجاء: أشد العذاب النفسي هو خيبة الأمل وانقطاع الأسباب في اللحظة التي لا تقبل فيها العثرات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فوات الأوان وسقوط الأوثان: كل وثن دنيوي تعلق به القلب من مال أو سلطان أو جاه سيتهاوى يوم القيامة ويبقى السؤال القاتل: {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ}؟!
الإخلاص هو النجاة: من عبد الله وحده وجده أمامه في كل شدة في الدنيا والبرزخ والمحشر.