روى الطبري (19/422)مصدر غير محدد١٩/٤٢٢ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ} قالوا: قال لوط عليه السلام غير مبالٍ بتهديدهم بالنفي: إني لفعلكم هذا وعملكم الخبيث من المبغضين الشديدي البغض، الكارهين له بقلبي ولساني، المتبرئين منه ومنكم إلى الله؛ يقال: قَلاه يَقْلِيه قِلًى ومَقْليةً: إذا أبغضه أشد البغض وتبرأ منه؛ ومنه قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}.
قال ابن كثير (6/162)مصدر غير محدد٦/١٦٢: "أي من المبغضين له، المعتزلين إياه، لا أرضاه ولا أتابعه ولا أقركم عليه، بل أتبرأ إلى الله منه ومن فاعليه؛ وهذا غاية الشجاعة في الصدع بالحق".
قال القرطبي (13/122)مصدر غير محدد١٣/١٢٢: "القالين: المبغضين؛ والقِلى شدة البغض؛ فنص على بغض 'العمل' لبيان أن معاداته لهم منصبة على المعصية والقبح الذي ارتكبوه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماضٍ، وفاعله مستتر (لوط).
{إِنِّي}: إن واسمها.
{لِعَمَلِكُم}: اللام حرف جر، {عَمَلِكُم}: اسم مجرور بالكسرة، والكاف مضاف إليه والميم للجمع؛ والجار والمجرور متعلق بالخبر {الْقَالِينَ}، وقُدِّم للاهتمام والحصر.
{مِّنَ}: حرف جر.
{الْقَالِينَ}: اسم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور في محل رفع خبر {إِنَّ}؛ والقالون: جمع قالٍ، وهو اسم فاعل من قَلَى يَقْلِي (إذا أبغض وهجر وكره).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الصمود الإيماني الشجاع أمام التهديد:
هددوه بالإخراج والطرد ({لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ})، فلم ينكسر ولم يداهن ولم يتراجع خطوة واحدة، بل أعلن فوراً براءته واشمئزازه الشديد من صنيعهم: {إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ}؛ مبيناً أنه لا يبالي بوعيدهم ولا يشرفه البقاء في بلد يستمرئ الرذيلة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التمييز بين كراهية الذنب والحرص على هداية التائب:
محاكمة بلاغية وتربوية دقيقة: قال لوط: {إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ}، فنسب البغض والعداوة إلى "العمل" ذاته ({لِعَمَلِكُم}) أولاً وبالذات؛ ليوضح أن كراهيته منصبة على هذا الفعل القبيح المنافي للفطرة؛ فلو تركوا العمل وأنابوا لسقطت العداوة؛ فالداعية يبغض المعصية لذاتها ويشفق على العصاة أن يحترقوا بنارها، فإذا أصروا وتكبروا نالتهم البراءة التامة.
تقديم المعمول {لِعَمَلِكُم} على العامل {الْقَالِينَ}: للاهتمام ببيان موضوع البغض ومكمن الرجس، وإفادة قوة المفاصلة العقدية والأخلاقية.
تأكيد الجملة بـ {إِنِّي} واسم الفاعل والجمع {مِّنَ الْقَالِينَ}: لإفادة الثبوت والرسوخ في البغض والإنكار؛ أي لست وحدي بل أنا من زمرة الأطهار الذين يأنفون هذا الرجس ويقلوْنه أشد القِلى.
تدبر الاستعلاء بالإيمان: ما أجمل عزة النبي لوط وهو يقف أعزل أمام جموع مجرمة، معلناً احتقاره لأفعالهم دون أدنى خوف من بطشهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب بغض المنكر بالقلب واللسان: من رأى منكراً ولم يستطع تغييره بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان؛ وبغض الفواحش في القلب فريضة لا تسقط عن أحد.
المفاصلة الأخلاقية: لا يجوز للمسلم أن يجامل أهل المعاصي أو يبتسم لمنكرهم، بل عليه إظهار النكير والبراءة التامة في وجه المروجين للرذيلة.