روى الطبري (19/325)مصدر غير محدد١٩/٣٢٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: {وَيَضِيقُ صَدْرِي} أي يضيق صدري من تكذيبهم وعنادهم فلا يحتمل سماع كفرهم، {وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي} بالبلاغ المبين لما كان فيه من العقدة والثقل والحبسة الموروثة من أيام جمرة فرعون حين كان طفلاً؛ {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ} أي فأرسل جبريل بالوحي إلى أخي هارون واجعله نبياً وزيراً يعينني ويبلغ معي بلسانه الفصيح.
قال ابن كثير (6/138)مصدر غير محدد٦/١٣٨: "سأل موسى ربه أن يرسل معه أخاه هارون بن عمران؛ ليكون له رداً وعضداً ومعيناً؛ لأنه كان أفصح لساناً منه وأبين بياناً، ولأن في مؤازرته تثبيتاً للقلب وانشراحاً للصدر أمام صلف فرعون وملئه".
القراءات في {وَيَضِيقُ} و{وَلَا يَنطَلِقُ}: قرأ الجمهور (نافع، عاصم، ابن عامر، أبو عمرو، ابن كثير) بالرفع: {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ} استئنافاً لإخبار موسى بحاله الحاضرة الدائمة عند الغضب والشدة؛ وقرأ حمزة والكسائي بنصب الفعلين: {وَيَضِيقَ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقَ} عطفاً على المنصوب بأن {أَن يُكَذِّبُونِ}، أي وأخاف أن يكذبون وأن يضيق صدري وألا ينطلق لساني.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَيَضِيقُ}: الواو عاطفة أو استئنافية، يضيق فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة (أو منصوب على قراءة حمزة والكسائي). والضيق ضد السعة، وهو حرج الصدر وانقباضه.
{صَدْرِي}: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه. والصدر مجمع المشاعر وبؤرة العواطف.
{وَلَا يَنطَلِقُ}: معطوف عليه منفي بلا، ينطلق فعل مضارع مرفوع (أو منصوب). والانطلاق: التحرر والسهولة والاتساع في الحركة والكلام، مأخوذ من حل القيد.
{لِسَانِي}: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل الياء، والياء مضاف إليه.
{فَأَرْسِلْ}: الفاء فصيحة رابطة لطلب مسبب عما قبله، أرسل فعل دعاء وتضرع مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، ومفعول أرسل محذوف دل عليه السياق تقديره: فأرسل جبريل بالوحي.
{إِلَىٰ هَارُونَ}: جار ومجرور متعلقان بـ "أرسل"، وهارون مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة؛ وهارون أخو موسى الأكبر عليهما السلام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التكامل النفسي والجسدي في أداء الرسالة: جمع موسى بين العائق النفسي الباطن ({يَضِيقُ صَدْرِي}) والعائق الجسدي الظاهر ({لَا يَنطَلِقُ لِسَانِي})؛ لبيان أن مهمة مواجهة فرعون تتطلب شرحاً تاماً للصدر لتحمل الأذى، ولساناً فصيحاً طلقاً لإقامة الحجة وهدم الباطل.
سر طلب الشريك (هارون): لم يطلب موسى من يعينه على كسب دنيوي أو تقاسم مغانم، بل طلب وزيراً من أهله ليتعاونا على البلاغ ولنسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً؛ وهذا من أرقى صور الأخوة الإيمانية والتكامل الدعوي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ثقل اللسان لا يقدح في منصب النبوة:
أجمع أهل السنة على أن الأنبياء معصومون من العيوب المنفرة للخلق؛ أما العوارض الطبيعية كالثقل العارض في اللسان أو حبسة طفيفة تزول بالبيان والتكرار، فلا تقدح في النبوة ولا تمنع وصول المقصود، وخاصة أن الله أجاب سؤاله وحل عقدة لسانه وأيده بأخيه هارون.
حقيقة العمل الجماعي وتوزيع الأدوار في الإسلام:
الآية تؤسس لمنهج العمل المؤسسي التكاملي؛ حتى كليم الله موسى العظيم أدرك حاجته إلى سند ومعين يكمل ما عنده من نقص في الفصاحة، مما يسقط النزعة الفردية الاستبدادية في العمل الدعوي والإداري.
المجاز في ضيق الصدر {وَيَضِيقُ صَدْرِي}: استعارة صفة الضيق المكاني للهم والانقباض النفسي؛ لأن الحزين المغتاظ يشعر بضيق حقيقي في قفصه الصدري وصعوبة في التنفس.
إيجاز الحذف في {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ}: حذف مفعول الإرسال للعلم به من السياق (أي فأرسل إليه بالرسالة والوحي ليؤازرني)، وهذا من أسرار البلاغة القرآنية في حذف ما لا يختل المعنى بسقوطه.
تدبر فضل الأخ الصالح: كانت شفاعة موسى لأخيه هارون بالنبوة أعظم شفاعة في التاريخ البشري؛ إذ شفع لأخيه لينال أشرف رتبة في الوجود وهي النبوة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توظيف الطاقات واختيار الأنسب للمهام: الاستعانة بأهل الفصاحة والبيان في مواجهة الإعلام المعادي والشبهات الفكرية، وتوزيع الأدوار بحسب كفاءات الدعاة وطاقاتهم.
التعاون على البر والتقوى في البيت الواحد: استثمار الروابط الأخوية والأسرية في خدمة دين الله ونصرة رسالته، كما تعاون موسى وهارون.
التماس انشراح الصدر بالدعاء: المداومة على سؤال الله شرح الصدر وتيسير الأمر وحل عقد اللسان قبل خوض المعارك والمناظرات الدعوية.