روى الطبري (19/382)مصدر غير محدد١٩/٣٨٢ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} أي واصفح عن أبي وتب عليه ووفقه للإيمان بمغفرة شركه؛ وهذا الدعاء قاله إبراهيم قبل أن يتبين له أن أباه عدو لله ومات على الكفر؛ فلما مات مشركاً تبرأ منه.
قال ابن كثير (6/153)مصدر غير محدد٦/١٥٣: "هذا من جملة دعاء إبراهيم لأبيه؛ وكان ذلك عن موعدة وعدها إياه في قوله: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا}، فلما تبين له أنه عدو لله ومات على شركه تبرأ منه؛ كما قال تعالى في سورة التوبة: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}".
روى البخاري (3350) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لاَ تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَاليَوْمَ لاَ أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لاَ تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَاغْفِرْ}: الواو عاطفة، {اغْفِرْ}: فعل دعاء وتضرع مبني على السكون، والفاعل مستتر وجوباً تقديره (أنت).
{لِأَبِي}: اللام حرف جر، {أَبِي}: اسم مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة ياء المتكلم، والياء مضاف إليه؛ والجار والمجرور متعلق بالفعل {اغْفِرْ}.
{إِنَّهُ}: حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب اسم إن.
{كَانَ}: فعل ماضٍ ناقص مبني على الفتح، واسمها ضمير مستتر جوازاً تقديره (هو).
{مِنَ}: حرف جر.
{الضَّالِّينَ}: اسم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجار والمجرور في محل نصب خبر {كَانَ}؛ وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر {إِنَّ}؛ وجملة {إِنَّهُ كَانَ...} تعليلية لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البر بالوالد المشرك والدعاء له بالهداية والمغفرة قبل موته:
لما تبرأ إبراهيم من آلهة قومه وأعلن عداوتها ({فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي})، بقي في قلبه ذلك العطف الفطري والبر الواجب بالأب الذي رباه وصاحبه؛ فخصه بهذا الدعاء رجاء أن يهديه الله ويغفر له شركه بالتوبة قبل الممات؛ وفاءً بوعده المذكور في سورة مريم: {سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مسألة الاستغفار للمشركين والنسخ في شريعة الإسلام:
إشكال: القرآن قرر في سورة التوبة: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ}، فكيف استغفر إبراهيم لأبيه المشرك؟
الجواب القاطع:
استغفار إبراهيم لأبيه كان معلقاً برجاء إيمانه وتوبته في حياته إنفاذاً لموعدة سالفة وعده بها ليتألف قلبه.
فلما تبين له موته على الكفر، انقطع الرجاء وتبرأ منه إبراهيم وترك الاستغفار؛ وبذلك نصت آية التوبة على أن فعل إبراهيم هذا لا يجوز الاقتداء به في الاستغفار لمن مات على الكفر، كما قال تعالى في سورة الممتحنة: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ}.
تعليل الدعاء بـ {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ}: اعتراف من إبراهيم بضلال أبيه وانحرافه؛ فلم يداهن في وصف حاله، بل قرر أنه ضال يحتاج إلى مغفرة الله ورحمته التي تنقذه من هذا الضلال.
استعمال {كَانَ}: للإشعار برسوخ هذا الضلال وقِدمه في حياة أبيه؛ مما يجعل نجاته مفتقرة إلى معجزة ربانية بتوفيقه للإيمان.
تدبر آلام القلب الداعية: كم يعتصر قلب الداعية من الألم والشفقة حين يرى أقرب الناس إليه يتردى في مهاوي الكفر والضلال، فيبذل أقصى ما يملك من الدعاء والتضرع لعل الله يدركه برحمته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الولاء والبراء فوق عواطف القرابة: رابطة العقيدة والتوحيد هي الرابطة الكبرى؛ وحين يحكم الله بكفر إنسان وموته على الشرك، تتوقف كل عواطف القرابة وتسقط كل شفاعة.
بر الوالدين في حال كفرهما في الدنيا: حرص إبراهيم على هداية أبيه ودعاؤه له يعلمنا أن كفر الوالد لا يسقط حقه في النصيحة والشفقة والدعاء له بالهداية ما دام حياً في دار العمل.