إدخال التكذيب والجحود في قلوب المجرمين عقوبةً على كفرهم:
روى الطبري (19/437)مصدر غير محدد١٩/٤٣٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والضحاك: {كَذَٰلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} قالوا: كذلك أدخلنا وأسلكنا التكذيب والشرك والجحود بالقرآن في قلوب مشركي قريش والمجرمين؛ عقوبةً لهم على سوء اختيارهم وسبق إجرامهم؛ وقيل: أدخلنا القرآن والبيان في قلوبهم حتى عرفوا معانيه وفهموا براهينه ثم جحدوه وكذبوا به عناداً وبغياً.
قال ابن كثير (6/166)مصدر غير محدد٦/١٦٦: "أي كذلك أدخلنا التكذيب والجحود والعتو في قلوب الكافرين المجرمين؛ كما قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ}".
قال القرطبي (13/131)مصدر غير محدد١٣/١٣١: "السَّلْكُ: هو إدخال الشيء في الشيء؛ كإدخال الخيط في الإبرة؛ والضمير عائد على الشرك والتكذيب لدلالة السياق عليه، أو على القرآن والمعنى: أدخلناه في قلوبهم مكذباً به غير مصدق".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كَذَٰلِكَ}: الكاف حرف جر و(ذا) اسم إشارة في محل جر، واللام للبعد والكاف للخطاب؛ والجار والمجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق (أي سلكاً مثل ذلك سلكناه).
{سَلَكْنَاهُ}: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بـ (نا)، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به أول؛ والسَّلْكُ: الإدخال والنفاذ بدقة وإحكام.
{فِي قُلُوبِ}: جار ومجرور متعلق بالفعل {سَلَكْنَاهُ}، وهو مضاف.
{الْمُجْرِمِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان سنة الله في قلوب المعاندين:
بعد أن قرر أنهم لن يؤمنوا به ولو قرأه أعجمي (الآية 199)، بين علة هذا الاستعصاء: {كَذَٰلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ}؛ ليوضح أن هذا التكذيب قدر الله العادل الذي جرى عليهم جزاءً وفاقاً لإصرارهم على الإجرام ومحاربة التوحيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مذهب أهل السنة في خلق الأفعال وعدالة القضاء:
محاكمة عقدية محكمة: يقرر أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد وقلوبهم؛ وسلك التكذيب في قلوب المجرمين ليس ظلماً لهم وحاشا لله، بل هو عقوبة عادلة منه تعالى؛ لأنهم بادروا بالإجرام والظلم واختاروا الضلال بمحض إرادتهم، فجازاهم الله بأن طبع على قلوبهم وأسلك فيها التكذيب جزاءً على بغيهم؛ كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}.
استعارة {سَلَكْنَاهُ}: تصوير لإحكام دخول التكذيب ورسوخه في قلوبهم كأنه خيط متين أُسلك في نسيج الفؤاد فلا ينفك عنه.
وصفهم بـ {الْمُجْرِمِينَ}: تعليق للحكم بالوصف المشتق؛ أي إنما نالهم هذا السلك والختم بسبب تلبسهم بـ "الإجرام" والظلم العمدي.
تدبر عقوبة الانتكاس: أشد عقوبة يعاقب بها العبد في الدنيا أن يُحرم من لذة الإيمان ويُسلك في قلبه الشك والوحشة والجحود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من مقدمات الإجرام: المعاصي بريد الكفر؛ ومن تهاون بالذنوب والظلم أوشك أن يُسلك التكذيب في قلبه فيختم له بسوء الخاتمة.
سؤال الله الثبات: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ"؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.