تصوير الإلقاء العنيف للأصنام وعابديها في قعر جهنم:
روى الطبري (19/387)مصدر غير محدد١٩/٣٨٧ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} قالوا: كُبكبوا أي طُرحوا وقُذفوا وأُلقوا على وجوههم في قعر النار بعضهم فوق بعض؛ وهم: الأصنام والآلهة الباطلة، والغاوون: عابدوها من مشركي الإنس.
قال ابن كثير (6/155)مصدر غير محدد٦/١٥٥: "أي أُلقوا في النار وقُذفوا فيها على رؤوسهم ووجوههم متهافتين يتساقطون؛ قال السدي: كُبكبوا أي رُمي بعضهم على بعض كالحجارة، وهم: المعبودات، والغاوون: عابدوها من بني آدم".
قال القرطبي (13/108)مصدر غير محدد١٣/١٠٨: "الكَبْكَبَة: تكرير الكَبِّ، وهو الإلقاء على الوجه مرة بعد مرة حتى يستقر في القعر؛ يقال: كبَّه فانكبَّ، وكبكبه: إذا طرحه فطرح بعضه على بعض متتابعاً متراكماً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَكُبْكِبُوا}: الفاء عاطفة للترتيب والتعقيب السريع؛ {كُبْكِبُوا}: فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل؛ وأصل الفعل (كَبَّ) فكررت الفاء والعين للمبالغة والتكثير والتكرير الحركي العنيف.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلق بالفعل {كُبْكِبُوا}، والضمير عائد على الجحيم.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع توكيد للضمير المتصل (الواو) في {كُبْكِبُوا}، والمراد به الأصنام والآلهة.
{وَالْغَاوُونَ}: الواو عاطفة، {الْغَاوُونَ}: اسم معطوف على الضمير المرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم؛ والمراد بهم عَبَدة الأصنام ومن تبعهم في الضلال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة العقاب بعد العجز والتبكيت:
رتبت الفاء {فَكُبْكِبُوا} الجزاء الحاسم فور انقطاع الجواب وسقوط الحجة؛ فبعد أن تبين عجز الأصنام عن النصرة والانتصار ({هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ})، صدر الأمر الإلهي بقذف الجميع في أتون الجحيم في مشهد مرعب يخلع القلوب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
لماذا تُقذف الأصنام والجمادات في النار وهي غير مكلفة؟
إشكال قديم: الحجارة والأصنام جمادات لا ذنب لها، فما الحكمة من إلقائها في جهنم؟
الجواب من وجوه عقلية وبلاغية:
حسرة على عابديها وإهانة لهم؛ حين يرون معبوداتهم التي كانوا يقدسونها تُلقى معهم كالحطب الرخيص حطاماً مشتعلاً في جهنم.
إبطال ألوهيتها حسياً وواقعياً؛ فالإله المزعوم يُحرق أمام عابديه ولا يستطيع دفع النار عن وجهه.
تحقيق الوعيد الإلهي في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}.
الإعجاز الصوتي في لفظ {كُبْكِبُوا}: جرس الكلمة وتكرار حرفي الكاف والباء (كَبْ - كَبَ) يعكس صورة التدحرج والارتطام والتساقط المتتابع على الوجوه في هوة الجحيم السحيقة؛ وهو من أروع أمثلة التناسق بين اللفظ والمعنى في القرآن.
تقديم الآلهة في الإلقاء {هُمْ} ثم عطف {الْغَاوُونَ}: لإشعار العابدين بمهانة آلهتهم، ولأن الحطب يُلقى أولاً لتستعر النار ثم يُلقى فيه العاصون.
تدبر هول السقوط: من أبى السجود لربه في الدنيا على وجهه متواضعاً، كُبكِب في الآخرة على وجهه متساقطاً في الدركات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من مصارع الغفلة: الباطل مهما انتفخ وتجمل، فنهايته حتماً إلى السقوط والاندحار في قعر الهوان.
صيانة الوجه بعبودية الله: الوجه هو أكرم ما في الإنسان، وصيانته من كبكبة النار إنما تكون بإعفائه من الخضوع لغير الله في الدنيا.