روى الطبري (19/390)مصدر غير محدد١٩/٣٩٠ عن قتادة ومجاهد والحسن: {وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} أي ولا قريب مشفق ولا صاحب مخلص وفيّ يحزنه ما ينزل بنا من العذاب فيهتم لأمرنا أو يواسينا في كربتنا؛ والحميم هو القريب المشفق المخلص في المودة.
قال ابن كثير (6/155)مصدر غير محدد٦/١٥٥: "أي ولا قريب ولا صديق ينفعنا أو يهتم بنا؛ بل كل خليل كان على غير تقوى الله ينقلب عدواً، كما قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}".
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه (كما في تفسير القرطبي 13/109): "عَلَيْكُمْ بِإِخْوَانِ الصِّدْقِ، فَإِنَّهُمْ عِدَّةٌ فِي الدُّنْيَا، وَشُفَعَاءُ فِي الآخِرَةِ؛ أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ النَّارِ: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ}؟!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَا}: الواو عاطفة، {لَا}: لتأكيد النفي.
{صَدِيقٍ}: اسم معطوف على {شَافِعِينَ} مجرور لفظاً وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والصديق: هو الصاحب الصادق في مودته ونصحه.
{حَمِيمٍ}: نعت لـ {صَدِيقٍ} مجرور بالكسرة؛ والحميم في أصل اللغة: الماء الحار، ثم أطلق على القريب المخلص لشدة حرارة قلبه واهتمامه وشفقته بصاحبه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نفي الوسائط الرسمية والعاطفية:
استوفت الآيتان نفي نوعي النصرة البشرية:
نصرة الجاه والوساطة بالشفاعة الرسمية ({فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ}).
نصرة العاطفة والمحبة والمواساة الشخصية ({وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ}).
فتجرد الكافر من كل أشكال الدعم المعنوي والاجتماعي، وذاق طعم الوحدة المطلقة في عذابه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مصير شلل الفساد وصداقات المعصية:
أصدقاء السوء في الدنيا يتواصون بالباطل ويتعاهدون على السهر والمجون والتكذيب بالدين؛ فلما جاء يوم الحق فر كل واحد منهم من صاحبه، ولعن كل منهم خدنَه: {يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا}؛ فبانت المحاكمة العقلية: الصداقة التي لا تربطها حبال الإيمان بالله هي عداوة مؤجلة تظهر فضيحتها يوم الدين.
إفراد {صَدِيقٍ} بعد جمع {شَافِعِينَ}: للدلالة على ندرة الصديق الصادق الوفي حتى في الدنيا، فكيف بالآخرة التي يفر فيها المرء من أخيه وأمه وأبيه!
وصف الصديق بـ {حَمِيمٍ}: إشارة إلى أن الصداقة السطحية لا قيمة لها في الأزمات، وإنما يُنتظر الدعم من الصديق الحميم الممتلئ حرارة ووفاء، ولكن حتى هذا الصديق مفقود تماماً لأهل النار.
تدبر قيمة الأخوة في الله: الأخ المؤمن الحميم يشفع لأخيه يوم القيامة كما جاء في الأثر، أما أهل الباطل فلا يجدون من يواسيهم بكلمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
انتقاء الصحبة الصالحة: احرص في دنياك على مصاحبة أهل الإيمان والتقوى؛ فإنهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، وشفعاء عند لقاء الله.
التحرر من مجاملة أصدقاء السوء: لا تبع دينك وآخرتك من أجل إرضاء صديق دنيوي؛ فإنه أول من سيتخلى عنك في قبضة الحساب.