إنكار صالح على ثمود غفلتهم وأمنهم من زوال النعم والموت:
روى الطبري (19/411)مصدر غير محدد١٩/٤١١ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ} قالوا: أنكر عليهم صالح عليه السلام اغترارهم برغد العيش، فقال: أيظن أحدكم أن يُترك في هذه الدار الدنيا ونعيمها ولذاتها آمناً من الموت، سالماً من العذاب والزوال، لا يُبعث ولا يُحاسب؟!
قال ابن كثير (6/159)مصدر غير محدد٦/١٥٩: "هذا إنكار من صالح عليه السلام على قومه في ركونهم إلى الدنيا وطمأنينتهم بها، وظنهم أنهم مخلدون في هذا النعيم، آمنون من عذاب الله ومكره؛ كما قال تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ}".
قال القرطبي (13/118)مصدر غير محدد١٣/١١٨: "الاستفهام للإنكار والتوبيخ؛ أي لا تظنوا أنكم متروكون في هذا النعيم بلا حساب ولا موت ولا زوال".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَتُتْرَكُونَ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي؛ {تُتْرَكُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل.
{فِي}: حرف جر للظرفية والاستيعاب.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بـ {فِي}، والجار والمجرور متعلق بالفعل {تُتْرَكُونَ}.
{هَاهُنَا}: الهاء للتنبيه، {هُنَا}: اسم إشارة للمكان القريب مبني في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف صلة الموصول {مَا}؛ والمراد به: دار الدنيا ونعيمها الحاضر المشاهد في أرض الحجر.
{آمِنِينَ}: حال منصوبة وعلامة نصبها الياء لأنها جمع مذكر سالم من نائب الفاعل في {تُتْرَكُونَ}؛ والآمن: من استشعر السلامة وغفل عن الخوف والزوال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفكيك عقدة "الأمن الزائف" لدى ثمود:
عاد اغترت بالقوة والبطش وطول الأمل في المصانع، أما ثمود فاغترت بـ "الأمن" والوفرة الزراعية والتحصينات الجبلية؛ فبدأ صالح بمهاجمة هذا الشعور الزائف بالأمن: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ}؛ ليزلزل يقينهم الواهي بخلود هذا النعيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
استحالة الدوام والأمن المطلق في دار الفناء:
محاكمة عقلية وجودية: كيف يطمئن عاقل إلى دارٍ كل ما فيها يتغير ويفنى؟! الآباء ماتوا، والأمم السابقة بادت، والمرض يهجم على الأبدان، والموت يباغت في كل لحظة؛ فظن الإنسان أنه سيُترك مخلداً منعماً آمناً بلا ابتلاء ولا حساب هو قمة الجهل والغفلة والتناقض مع المشاهد المحسوس.
الإشارة بـ {هَاهُنَا}: اسم إشارة للقريب، تصغيراً لشأن الدنيا وتقليلاً لمدتها؛ فكل هذا الملك العريض محصور في هذه البقعة الصغيرة الزائلة.
بناء الفعل للمجهول {تُتْرَكُونَ}: للدلالة على أنهم مدبرون مقهورون تحت مشيئة الله؛ فلستم أنتم الذين تقررون البقاء أو الرحيل، بل الله هو الذي يملك إبقاءكم وأخذكم.
تدبر فخ الأمان: أخطر ما يبتلى به الإنسان أن يشعر بالأمان التام وهو مقيم على المعصية؛ فذلك مكر الله واستدراجه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاربة الركون إلى الدنيا: على المؤمن أن يعلم أن الدنيا مزرعة للآخرة وليست دار استقرار، وأن الأمن الحقيقي هو أمن يوم الفزع الأكبر لمن حقق التوحيد.
التذكير بزوال النعم: تذكير الناس بأن النعم زائلة والأعمار قصيرة يدفعهم إلى المسارعة في التوبة والعمل الصالح.