روى الطبري (19/405)مصدر غير محدد١٩/٤٠٥ عن مجاهد وقتادة وابن عباس: {وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} قالوا: البطش هو الأخذ بالعنف والسطوة؛ والمعنى: إذا عاقبتم أو حاربتم أو أخذتم أحداً أخذتموه بالقهر والقتل والسيف والسوط بلا رحمة ولا شفقة ولا عفو، لا تبالون مظلوماً ولا ضعيفاً، كفعل الجبابرة العتاة الذين لا يؤمنون بيوم الحساب.
قال ابن كثير (6/158)مصدر غير محدد٦/١٥٨: "وصفهم بالقوة والغلظة والجبروت؛ أي إذا سطوتم بالقتل أو الضرب سطوتم سطوة الجبابرة الذين لا يرحمون صغيراً ولا يوقرون كبيراً؛ فجمعوا بين عمارة الترف، وطول الأمل، وقسوة القلب والبطش بالخلق".
قال القرطبي (13/116)مصدر غير محدد١٣/١١٦: "الجبار: المتسلط المتعظم الذي يقتل على الغضب ولا يبالي بالعواقب؛ فأنكر عليهم هود الجمع بين كفران النعمة والعدوان على العباد".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، {إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{بَطَشْتُم}: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بالتاء، والتاء فاعل والميم للجمع؛ وجملة فعل الشرط في محل جر بالإضافة لـ {إِذَا}؛ والبطش: الأخذ الشديد بقوة وقهر.
{بَطَشْتُمْ}: فعل ماضٍ وفاعله؛ والجملة جواب الشرط لا محل لها من الإعراب.
{جَبَّارِينَ}: حال منصوبة وعلامة نصبها الياء لأنها جمع مذكر سالم من فاعل {بَطَشْتُمْ}؛ والجبار: مبالغة من الجبر، وهو المتسلط المتكبر الذي يقهر غيره بظلم وعدوان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اكتمال أركان الجاهلية العادية:
شخّص هود أمراض عاد تشخيصاً دقيقاً في ثلاث آيات متتابعة:
طول الأمل والغفلة عن الآخرة ({وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ}).
الظلم الاجتماعي والبطش العسكري الغاشم ({وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ}).
فاكتملت صورة الحضارة المادية المنقطعة عن هدي السماء، التي تجمع بين الترف والقسوة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
اقتران القوة المادية بانهيار الأخلاق والرحمة:
محاكمة سننية: متى تجردت القوة العسكرية والتكنولوجية من وازع الإيمان والتقوى، تحولت حتماً إلى بطش وجبروت وطغيان وسحق للشعوب الضعيفة؛ وهذا هو حال الإمبراطوريات الظالمة في كل عصر، تستعرض عضلاتها في إبادة المستضعفين، وتنسى أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة.
تكرار لفظ {بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ}: جناس تام وإيقاع عنيف يعكس تكرار اعتداءاتهم وقسوة بطشهم حتى صار صفة لازمة لهم.
الحال في {جَبَّارِينَ}: إبراز للدافع النفسي الكامن وراء بطشهم، وهو الكبر والتعالي على خلق الله.
تدبر مآل الجبابرة: الجبابرة الذين أرعبوا الناس بسطوتهم بالأمس، أين بطشهم اليوم؟! صاروا هشيماً تذروه الرياح وسخرية للمعتبرين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحريم الظلم واستخدام القوة في البغي: القوة نعمة من الله للدفاع عن الحق ونصرة المظلوم، فمن استخدمها في قهر العباد وتجبر عليهم سلط الله عليه من يقصم ظهره.
الرحمة بالخلق شعار المؤمنين: المؤمن القوي يرحم الضعيف ويعدل في الحكم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ".