روى الطبري (19/414)مصدر غير محدد١٩/٤١٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: في قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} قولان لأئمة التفسير واللغة:
القول الأول: {مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} أي: من المسحورين الذين سُحروا مرة بعد مرة حتى غُلب على عقولهم وأصابهم الجنون والاختلاط، فصرت تهذي بما لا تدري؛ يقال: سُحِّر فلان أي سُحر سحراً شديداً.
القول الثاني: {مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} أي: ممن له سَحْرٌ (أي رئة ومعدة وأمعاء يأكل بها الطعام ويشرب الشراب كبقية البشر)؛ فالسَّحْر بالفتح هو الرئة وما تعلق بها، والمعنى: أنت بشر ذو رئة ومعدة فكيف تدعي النبوة والاتصال بالسماء؟!
قال ابن كثير (6/160)مصدر غير محدد٦/١٦٠: "قال مجاهد وقتادة: يعنون من المسحورين؛ وقال آخرون: يعنون ممن له سَحْر وهو الرئة، أي أنت بشر تأكل وتشرب كما نأكل ونشرب؛ والقول الأول أظهر وأقرب للسياق".
قال القرطبي (13/119)مصدر غير محدد١٣/١١٩: "المسحر: الذي سُحر حتى خبل عقله، وقيل: ذو السَّحر أي الرئة؛ والجمع بينهما أنهم أرادوا الحط من قدره إما بالجنون أو بالبشرية المحضة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالُوا}: فعل ماضٍ وفاعله.
{إِنَّمَا}: كافة ومكفوفة تفيد القصر والحصر والتوكيد.
{أَنتَ}: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{مِنَ}: حرف جر.
{الْمُسَحَّرِينَ}: اسم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور في محل رفع خبر المبتدأ {أَنتَ}؛ والمسحَّر: اسم مفعول من سَحَّر بالتضعيف للمبالغة في وقوع السحر أو لمن كان ذا سَحْر (رئة)؛ ومجموع الجملة مقول القول لثمود.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الهروب من مقارعة الحجة إلى الطعن في العقل:
لما حذرهم صالح من طاعة المسرفين المفسدين (151-152)، لم يجدوا جواباً منطقياً يردون به نصحه، ففروا إلى أقبح أساليب الإفلاس: الطعن في سلامة عقله واتهامه بالسحر {إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ}؛ ليزهدوا العوام في سماع كلامه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
اتهام الرسل بالسحر والجنون تناقض عقلي فاضح:
محاكمة حوارية: صالح خاطبهم بأرقى أساليب المنطق والبيان والحكمة والإنصاف؛ والمسحور أو المجنون يهذي بكلام متناقض مضطرب وسلوك عشوائي؛ فكيف يجمع العاقل بين الإعجاب بفصاحة كلام النبي ودقة استدلاله وبين اتهامه بالسحر والجنون؟! هذا تهافت نفسي يعكس حيرة المكذبين وعجزهم عن مواجهة الحجة بمثلها.