روى الطبري (19/371)مصدر غير محدد١٩/٣٧١ عن قتادة والسدي: {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} أي قالوا مجيبين له بافتخار وتبجح: نعبد تماثيل وصوراً منحوتة فنقيم على عبادتها ملازمين لها بالنهار كله والليل؛ وظلَّ يفيد استمرار الفعل نهاراً وملازمته.
قال ابن كثير (6/151)مصدر غير محدد٦/١٥١: "أجابوه بأنهم يعبدون أصناماً مجسمة، ويزعمون أنهم يقضون أوقاتهم عاكفين عليها ملازمين لخدمتها والتقرب إليها؛ وهذا غاية الجهل والضلال إذ افتخروا بما يستوجب الخجل والحياء".
قال القرطبي (13/103)مصدر غير محدد١٣/١٠٣: "العكوف: الإقبال على الشيء وملازمته على وجه التعظيم؛ وقولهم {فَنَظَلُّ} إخبار عن استغراق أوقاتهم في ذلك العكوف كأنهم يعدون ذلك منقبة وفخراً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالُوا}: فعل ماضٍ وفاعله، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً عن سؤال إبراهيم.
{عَاكِفِينَ}: خبر {نَظَلُّ} منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ ومجموع الجملة معطوف على جملة {نَعْبُدُ} في محل نصب مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
دلالة إقحام العكوف والدوام:
لم يكتفوا بقولهم: "نعبد أصناماً"، بل زادوا: {فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ}؛ ليرموا في وجه إبراهيم ثباتهم وإصرارهم وتفانيهم في هذه العبادة، وليدلوا على أن هذا شأن متأصل في حياتهم لا يزحزحهم عنه زاجر، فجاء ردهم محتوياً على الاعتراف المادي الكامل بجمود ما يعبدون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط حجة الاعتزاز بالملازمة الباطلة:
ظن المشركون أن طول الملازمة والاجتهاد في العبادة دليل على صحة المعبود، فرد عليهم العقل بأن ملازمة الباطل وتكثير الساعات في خدمته لا تجعله حقاً؛ فالصنم الملازَم يبقى حجراً أصم، والعكوف عليه ليس إلا تكريساً للغفلة والخرافة، وهذا هو الفخ الذي أوقعوا فيه أنفسهم بمجرد نطقهم بهذه الإجابة.
تنكير {أَصْنَامًا}: للتهويل والافتخار بتعددها وكثرتها في بلدهم، ولكنها في ميزان العقل تفيد التحقير والخلو من أي قيمة حقيقية.
استخدام {فَنَظَلُّ}: رسم صورة حسية حركية لعكوفهم التام وأجسادهم المنحنية أمام التماثيل الصامتة طوال النهار.
تدبر خطورة الاعتياد: كيف يتحول القبيح المستهجن إلى مألوف يتفاخر به الإنسان إذا استمرأت الفطرة الوثنية وتوارثتها البيئات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاجتهاد في العمل لا يدل وحده على صحته: كم من إنسان يعكف على بدعة أو ضلالة ويبذل فيها نهاره وليله وهو يظن أنه يحسن صنعاً، والميزان الحق هو موافقة الوحي واتباع الصدق.
أهمية الصبر على صدمات الباطل: الداعية يواجه أحياناً وقاحة وتبجحاً من أهل الأهواء باعتزازهم بباطلهم، فلا ينبغي أن يثنيه ذلك عن تفكيك أوهامهم بالبرهان.