روى الطبري (19/400)مصدر غير محدد١٩/٤٠٠ عن قتادة وابن عباس ومجاهد: {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا} أي فاقضِ بيني وبينهم قضاءً حاسماً تفصل به بين المحق والمبطل، وتظهر به الصادق من الكاذب؛ والفتاحة في لغة حمير والعرب هي القضاء والحكم، والفتاح هو القاضي؛ {وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي وخلصني وسَلِّم من معي من المؤمنين المصدقين من بطشهم ومن العذاب الذي ينزل بهم.
قال ابن كثير (6/157)مصدر غير محدد٦/١٥٧: "أي احكم بيني وبينهم حكماً تفرق به بين الحق والباطل، وتظهر به حزبك المفلحين من أعدائك الخاسرين، ونجني ومن اتبعني من الهلاك".
قال القرطبي (13/113)مصدر غير محدد١٣/١١٣: "الفتح هنا هو الحكم والقضاء الذي يفتح ما انغلق من الأمر؛ ومنه قوله تعالى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ}".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَافْتَحْ}: الفاء فصيحة مفرعة على الشكوى؛ {افْتَحْ}: فعل دعاء وتضرع مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره (أنت)؛ والفتح في لغة القرآن: القضاء والفصل بالعدل.
{بَيْنِي}: ظرف مكان منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل الياء، والياء مضاف إليه؛ والظرف متعلق بالفعل {افْتَحْ}.
{فَتْحًا}: مفعول مطلق منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة مؤكد لعامله؛ والتنكير للتعظيم والتهويل (أي قضاءً عظيماً حاسماً فاصلاً).
{وَنَجِّنِي}: الواو عاطفة، {نَجِّ}: فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره (أنت)، والنون للوقاية والياء مفعول به.
{وَمَن}: الواو عاطفة، {مَن}: اسم موصول معطوف على الياء في محل نصب (أو مفعول معه).
{مَّعِيَ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والياء مضاف إليه.
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}: جار ومجرور بيان لـ {مَن} وحال منهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترتيب الدعاء بين الفصل العام والنجاة الخاصة:
طلب نوح أمرين متلازمين:
{فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا}: وهو الفصل العام بنصرة الحق واستئصال شوكة الباطل المعاند.
{وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}: وهو العناية الخاصة بحفظ العصبة المؤمنة من الغرق والهلاك؛ ليكون الفتح نعمة ورحمة للمؤمنين ونقمة وبلاء على الكافرين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة طلب "الفتح" وبراءة نوح من الانتقام الشخصي:
محاكمة عقلية: نوح لم يدعُ تشفياً لنفسه أو حقداً دنيوياً، بل دعا حمايةً لدين الله في الأرض وصيانةً للمؤمنين من الإبادة؛ فالمشركون أعلنوا عزمهم على رجم نوح واستئصال المؤمنين، فكان لا بد من تدخل العدالة الإلهية لإنقاذ بذرة التوحيد، كما قال نوح في سورة نوح: {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}.
توكيد الفعل بالمصدر المنكر {فَتْحًا}: دلالة على عظم هذا القضاء الإلهي وشموله وقطعه لدابر الظالمين بصورة لم يشهد التاريخ البشري مثلها.
تقديم نفسه في النجاة {وَنَجِّنِي} ثم عطف المؤمنين: لأن الرسول هو رأس الدعوة والهدف الأول لبطش الكافرين، ولأن نجاة الإمام نجاة لأمته.
تدبر معية الإيمان: لم يقل: "ونجني وقرابتي وأهلي"، بل قال: {وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}؛ فالرابطة التي تستحق النجاة في ميزان الله هي رابطة الإيمان وحدها، ولذلك غرق ولده لما كان كافراً!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجه إلى الفتاح العليم عند استحكام الأزمات: متى انغلقت السبل وتجبر الخصوم، فاستفتح بالله واسأله أن يقضي بينك وبين الظالمين بالحق.
الولاء للمؤمنين ورعايتهم: الداعية يحمل في قلبه همّ كل فرد من أتباعه المؤمنين ويدعو لهم بالنجاة والسلامة كدعائه لنفسه.