أخرج الطبري (19/417)مصدر غير محدد١٩/٤١٧ عن قتادة ومجاهد والحسن في قوله تعالى: {تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}، قالوا: الأفاك: الكذاب، والأثيم: الفاجر في دينه وأفعاله، وهم الكهنة والسحرة والمشعوذون الذين يتقربون إلى الشياطين بالمعاصي فيوحون إليهم بزخرف القول غروراً.
وذكر ابن كثير (6/171)مصدر غير محدد٦/١٧١: "أي كذاب في قوله، فاجر في فعله وكسبه؛ فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين؛ لأن المناسبة حاصلة بين الخبيثين، فإن الشياطين خبيثة لا تنزل إلا على خبيث يناسبها في الرجس والضلال".
وقال البغوي (6/135)مصدر غير محدد٦/١٣٥: "الأفاك: الكثير الإفك وهو أسوأ الكذب وأشنعه، والأثيم: الكثير الإثم والذنوب والخطايا".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{أَفَّاكٍ}: صيغة مبالغة على وزن "فعّال" من الإفك، وهو قلب الحقائق وتحويل الشيء عن وجهه، فالأفاك هو الذي دأبه قلب الصدق كذباً واختلاق الباطل.
{أَثِيمٍ}: صيغة مبالغة على وزن "فعيل" من الإثم، وهو الفعل المترتب عليه الذنب والفسوق، فالأثيم هو المنغمس في المعاصي وفجور العمل.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{تَنَزَّلُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على الشياطين (أو جملة مستأنفة جواباً للاستفهام السابق).
{عَلَىٰ كُلِّ}: جار ومجرور متعلق بـ {تَنَزَّلُ}.
{أَفَّاكٍ}: مضاف إليه مخفوض وعلامة خفضه الكسرة.
{أَثِيمٍ}: نعت لـ {أَفَّاكٍ} مخفوض بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجواب المطابق للشبهة والمفحم للخصم:
وقعت هذه الآية موقع الجواب والبيان للاستفهام التشويقي السابق: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ... تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}.
فجمعت بين رذيلتي القول والعمل: (الأفاك) فاسد القول كذاب، و(الأثيم) فاسد الفعل فاجر؛ وبذلك يظهر الفرق الصارخ بين من تنزل عليه الشياطين وبين رسول الله المعصوم المصدق الطاهر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التشاكل بين الشياطين والأشرار:
قانون السنخية والتوافق: الأرواح الخبيثة لا تتنزل ولا تخدم إلا من يشاكلها في الخبث والنجاسة؛ فالشيطان لا يستجيب لساحر أو كاهن إلا إذا أشرك بالله أو تلطخ بالقاذورات وامتهن كلام الله كما هو معلوم في كتب السحر والكهانة. ومحمد ﷺ أبعد خلق الله عن الكذب وأعظمهم براً وتقوى وعبادة؛ فاستحال عقلاً وشرعاً وتنزيلاً أن يكون للشياطين سلطان عليه.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاربة ظاهرة الدجل والكهانة:
معرفة الميزان القرآني لكشف أدعياء الروحانيات والكهنة والمشعوذين: فكل من يدعي علم الغيب أو يتحدث بأمور غامضة وهو متلبس بالكذب وضعف الدين والتهاون بالفرائض فهو عميل للشياطين لا ولي لله.
تزكية اللسان والعمل: البعد التام عن الكذب والإثم؛ لأن المعاصي تجلب وساوس الشياطين وتجعل للقرناء سبيلاً على العبد.