روى الطبري (19/374)مصدر غير محدد١٩/٣٧٤ عن قتادة: {أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ} أي أنتم الذين تعبدونها اليوم، وآباؤكم الذين مضوا وسلفوا من قبلكم في قديم الزمان؛ لا فضل لأحد منكم على أحد في هذا الضلال، بل الجميع مشتركون في الغواية والجهل.
قال ابن كثير (6/152)مصدر غير محدد٦/١٥٢: "أي: سواء في هذا الضلال والجهل أنتم وآباؤكم الأقدمون الذين سنوا لكم هذه السنة الفاسدة وعبدوا هذه الأوثان الباطلة؛ فلا حجة لكم في تقليد من كان متوغلاً في الجهل مثلكم".
قال الشوكاني (4/118)مصدر غير محدد٤/١١٨: "وصف الآباء بالأقدمين للدلالة على تقادم هذا الضلال واستحكامه في أسلافهم، ولبيان أن تقادم العهد لا يغير من حقيقة الباطل شيئاً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَنتُمْ}: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد للضمير المستتر أو المتصل في {كُنتُمْ}، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره (مشتركون في الغواية)، أو بدل من ضمير الفاعل.
{وَآبَاؤُكُمُ}: الواو عاطفة، {آبَاءُ}: اسم معطوف على الضمير {أَنتُمْ} مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
{الْأَقْدَمُونَ}: نعت لـ {آبَاءُ} مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم؛ وهو جمع (أقدم) اسم تفضيل مبالغة في القِدم وسلف الزمان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
شمول المحاكمة للأصول والفروع:
لما تذرعوا بالآباء {وَجَدْنَا آبَاءَنَا}، أتبع إبراهيم قوله {مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ} بـ {أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ}؛ ليقطع دابر التعلق بالماضي السحيق؛ وليقرر أن العيب ليس في الجيل المتأخر فحسب بل هو عيب أصيل متوارث بدأ من أوائلهم وأسلافهم الغابرين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إهدار حجة الأقدمية التاريخية:
شبهة وثنية مزمنة: "ما كان عليه الأسلاف الأقدمون أهدى سبيلاً وأقرب للحق لقربهم من مبدأ الخليقة"!
الرد القرآني الصارم: الأقدمية الزمنية لا تعطي للباطل شرعية؛ فالخطأ إذا تكرر عبر القرون لا يتحول إلى صواب، بل يتضاعف وزره وفساده؛ فالمحاكمة قائمة على موافقة الفطرة والتوحيد لا على تاريخ التدين الوثني.
وصف الآباء بـ {الْأَقْدَمُونَ}: لإشعارهم بأن إبراهيم لا يهاب أقدم أسلافهم ولا يتردد في تسفيه آرائهم ما دامت قائمة على الشرك، وفي هذا قمة الاستعلاء الإيماني بالحق.
توكيد الخطاب بـ {أَنتُمْ}: مواجهة مباشرة تلغي كل مواربة وتجعل الحاضرين مسؤولين عن أعمالهم دون التستر وراء ظهور الأسلاف.
تدبر النسب الحقيقي: النسب الحق للمؤمن هو سلسلة الموحدين من لدن آدم ونوح وإبراهيم ومحمد، أما الأسلاف المنحرفون فلا وزن لأقدميتهم في ميزان الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كسر صنمية الأشخاص والمؤسسات التاريخية: لا قداسة لأحد أمام التوحيد؛ كل أحد يُؤخذ من كلامه ويُترك إلا رسل الله الكرام.
جرأة الصدع بالحق: لا يجوز للداعية أن يجامل العادات الموروثة المخالفة للشرع خوفاً من غضب العشيرة أو المجتمع.