معجزة التقام العصا لحبال السحرة وإبطال سحرهم في الآثار:
روى الطبري (19/350)مصدر غير محدد١٩/٣٥٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ} بأمر الله تعالى، فتحولت في الحال إلى ثعبان هائل عظيم يفوق الوصف؛ {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} أي تبتلع وتلتقم وتزدرد ما اختلقوه وموهوا به وكذبوا فيه من الحبال والعصي؛ فجعلت تلتقمها حبلاً حبلاً وعصا عصا بسرعة مذهلة وتبتلع ما ألقوه جميعاً حتى لم يبق في الساحة حبل ولا عصا، فلما ابتلعت كل شيء أخذها موسى فعادت عصا خشبية كما كانت في يده دون أن يزداد حجمها مثقال ذرة!
قال ابن كثير (6/146)مصدر غير محدد٦/١٤٦: "لما بلغت حبالهم وعصيهم غايتها في سحر الأعين، ألقى موسى عصاه فصارت ثعباناً عظيماً حقيقياً، فجعلت تبتلع كل ما ألقوه من التمويه والإفك؛ فعلم السحرة يقيناً أن هذا ليس بسحر؛ لأن السحر لا يبتلع المواد والأعيان؛ فإن حبالهم وعصيهم لو كانت سحراً لظلت على الأرض بعد زوال التخييل، ولكنها ابتلعت وتلاشت في جوف الثعبان، فعلموا أن ذلك صنع خالق السماوات والأرض القادر على إفناء المادة وخلقها".
القراءات في {تَلْقَفُ}: قرأ حفص وحمزة والكسائي: {تَلْقَفُ} بسكون اللام وفتح القاف مخففة، وقرأ الباقون (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وشعبة): {تَلَقَّفُ} بفتح اللام والقاف وتشديد القاف مضارع تلقف التقف يتقف؛ وهو أبلغ في سرعة الابتلاع المتتابع والمتكرر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَأَلْقَىٰ}: الفاء عاطفة للتعقيب، ألقى فعل ماض مبني على فتح مقدر.
{مُوسَىٰ}: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
{عَصَاهُ}: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف، والهاء مضاف إليه.
{فَإِذَا}: الفاء للمفاجأة، "إذا" فجائية مبنية على السكون.
{هِيَ}: ضمير منفصل مبتدأ يعود على العصا.
{تَلْقَفُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره هي، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "هي"؛ واللَّقْف: الأخذ والابتلاع السريع للشيء باليد أو الفم بمباغتة وإحكام.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ "تلقف".
{يَأْفِكُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول؛ والإفك: أسوأ الكذب والزور وقلب الحق باطلاً وتزوير الواقع؛ وأفَك الشيء إذا قلبه وصرفه عن وجهه الحق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل الحاسم بين الحشود الفاشلة والعصا الواحدة: في الآية السابقة ألقى آلاف السحرة {حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ} بالجمع والتكثير، وهنا ألقى موسى مفرداً {عَصَاهُ} بالإفراد؛ فابتلعت العصا الواحدة بإذن الله كل ما صنعه آلاف المحتشدين؛ ليظهر الفارق بين كيد البشر وقدرة رب العالمين.
التعبير القرآني بـ {مَا يَأْفِكُونَ}: لم يقل "حبالهم وعصيهم"، بل سمى ما ألقوه بـ {مَا يَأْفِكُونَ} (أي ما يكذبون به ويموهونه)؛ لتقرير حقيقة كبرى: إن الحق لا يبتلع فقط أدوات الباطل المادية، بل يبتلع ويبطل الكذب والتزوير ذاته ويزهقه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز العلمي والمنطقي في ظاهرة "اللقف والابتلاع":
الحجة العقلية القاطعة التي هزت عقول السحرة: لو كان عمل موسى سحراً وتخييلاً لما زالت حبالهم وعصيهم؛ لأن الساحر يؤثر على الأبصار بالخيال بينما الأعيان المادية تبقى مكانها؛ فلما رأى السحرة أن أطناناً من الحبال والعصي التي نقلوها بالأحمال قد ابتلعها ثعبان واحد وغابت في بطنه بالكلية، أدركوا بحسهم المهني المتخصص أن هذه معجزة خارقة للمادة وقوانينها الحيوية، لا تصدر إلا عن مغير الأعيان وخالق الكون سبحانه.
إزهاق الإفك والبهتان:
مصداق قوله تعالى في الأعراف: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ}؛ فالباطل مهما زخرف وعظم أمره، فهو إفك زائل أمام ومضة واحدة من نور الحق.
الدقة في استعمال فعل {تَلْقَفُ}: رسم صورة حركية عجيبة لثعبان جائع يلتهم الحبال والعصي بسرعة خارقة تذهل الحاضرين وتقطع أنفاسهم.
التعبير بـ {يَأْفِكُونَ}: وصم سحرهم بالإفك والزور؛ لإسقاط قيمته الفنية والعلمية، وبيان أنه خديعة بصرية رخيصة.
تدبر عظمة التأييد الإلهي: عصا صغيرة في يد نبي مؤيد بالوحي تهزم أعتى دولة سحر وعلم في العالم القديم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بقدرة الحق على ابتلاع باطل العصر: أن يوقن المسلم بأن كل الشبهات المعاصرة والإعلام المضلل والإنتاج الزائف ما هو إلا "إفك" ستبتلعه براهين القرآن وتزهقه كما ابتلعت العصا حبال السحرة.
الثبات والرمي بحجة الله: واجب الداعية أن يرمي بالحق الصادع على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، دون خوف من ضخامة آلة الباطل الدعائية.
الاعتبار بسقوط الأوهام: تذكر أن كل ما يبنيه الإنسان بالشرك والزور ينهار في لحظة أمام قضاء الله وقدره.