روى الطبري (19/391)مصدر غير محدد١٩/٣٩١ عن قتادة ومجاهد: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي فيا ليت لنا رجعة وعودة ثانية إلى دار الدنيا، فنصدق بآيات ربنا ونخلص له العبادة ونكون من المؤمنين الموحدين لننجو من هذا الخزي المقيم.
قال ابن كثير (6/155)مصدر غير محدد٦/١٥٥: "يتمنون لو يُردون إلى الدار الدنيا ليعملوا صالحاً ويكونوا من المؤمنين، وهم في ذلك كذبة؛ كما قال تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}".
قال القرطبي (13/109)مصدر غير محدد١٣/١٠٩: "الكَرَّة: الرجعة، يقال: كرَّ عليه أي رجع؛ وهذا تمنٍّ باطل في غير حينه؛ لأن الدنيا دار عمل بلا جزاء، والآخرة دار جزاء بلا عمل، وقد انقضت المهلة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَلَوْ}: الفاء عاطفة أو سببية، {لَوْ}: حرف تمنٍّ لا جواب له، أو حرف شرط غير جازم دال على امتناع لامتناع وجوابه محذوف تقديره (لفعلنا ونجونا).
{أَنَّ}: حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل.
{لَنَا}: جار ومجرور في محل رفع خبر {أَنَّ} مقدم.
{كَرَّةً}: اسم {أَنَّ} مؤخر منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ والمصدر المؤول من {أَنَّ} واسمها وخبرها في محل رفع فاعل لفعل محذوف تقديره (ثبت) إن كانت لو شرطية، أو في محل نصب بفعل التمني.
{فَنَكُونَ}: الفاء فاء السببية واقعة في جواب التمني؛ {نَكُونَ}: فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد فاء السببية، واسمه ضمير مستتر وجوباً تقديره (نحن).
{مِنَ}: حرف جر.
{الْمُؤْمِنِينَ}: اسم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجار والمجرور في محل نصب خبر {نَكُونَ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
خاتمة مشاهد الخصومة وحسرة الفوات الأبدي:
تدرج مشهد أهل النار:
أقسموا على ضلالهم المبين ({تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}).
فلما أُغلقت في وجوههم كل الأبواب، لم يبقَ أمامهم إلا التمني المستحيل بالرجوع إلى الدنيا {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً}؛ وهو منتهى درجات العجز واليأس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
استحالة الرجعة وكذب أمنية التغيير:
محاكمة فطرية قطعية: هل لو أُعيد أولئك المشركون إلى الدنيا سيؤمنون حقاً؟
حكم العليم الخبير بحال النفوس: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ}؛ لأن تمنيهم الإيمان ليس توبة نابعة من حب الله ورغبة في رضاه، بل هو فزع حسي من سياط العذاب ولظى النار؛ فلو كُشف عنهم العذاب وزال الخوف لنسوا ما شاهدوه وعادوا إلى كفرهم وشهواتهم، وتكرار التجربة محال في حكمة الله وسنته الكونية.
تنكير {كَرَّةً}: للدلالة على القلة والتواضع في المطلب؛ أي لو أُعطينا مجرد رجعة واحدة سريعة لأصلحنا فيها ما أفسدنا.
نصب الفعل بأن المضمرة بعد فاء السببية {فَنَكُونَ}: إفادة لترتب الإيمان المباشر على تلك الكرة المأمولة ترتب النتيجة الحتمية على سببها.
تدبر نعمة البقاء في دار المهلة: أنت اليوم في تلك "الكرة" التي يتمناها أهل القبور وأهل النار! أنفاسك تتردد، وباب التوبة مفتوح، فبادر بالإيمان والعمل الصالح قبل أن تقول غداً: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استدراك العمر قبل الفوات: كل يوم يعيشه المسلم هو فرصة ذهبية لا تقدر بثمن؛ فالعمر رأس مال المؤمن الوحيد، وضياعه في الغفلة حسرة لا تجبر.
صدق الإقبال على الله: لا تنتظر حتى يحيط بك المرض أو يدنو الموت لتعلن توبتك؛ فالتوبة المقبولة هي توبة الإنابة في زمن العافية والاختيار.