أخرج الطبري (19/420)مصدر غير محدد١٩/٤٢٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} قال: "في كل لغو يخوضون، وفي كل فن من الكلام يأخذون: في المدح الكاذب، والذم الباطل، والفخر والتعصب".
وقال قتادة ومجاهد والحسن: "الوادي هنا مثل لضروب الكلام وفنونه؛ يمدحون قوماً بباطل، ويهجون آخرين بباطل، تارة في الغزل، وتارة في الفخر، وتارة في الكذب".
وقال ابن كثير (6/172)مصدر غير محدد٦/١٧٢: "أي يتصرفون في كل فن من فنون الكلام وأوديته من الباطل والإطراء والذم لمن لا يستحق، لا يثبتون على مبدأ ولا يلتزمون حقاً؛ بل يقودهم الخيال حيثما اتجه الهوى".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{أَلَمْ تَرَ}: الهمزة للتقرير والتنبيه، و"لم" جازمة، والرؤية هنا علمية أو بصرية متعدية، والمعنى: قد رأيت وعلمت حالهم علماً لا شك فيه.
{وَادٍ}: الوادي منفرج بين الجبلين يسيل فيه الماء، واستعير هنا لفنون الكلام ومذاهبه وأغراضه المتفرقة.
{يَهِيمُونَ}: الهيام هو السير على غير هدى ودون قصد محدد؛ يُقال: هام على وجهه إذا ذهب حائراً تائهاً لا يدري أين يتوجه.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{أَلَمْ}: الهمزة للاستفهام التقريري، "لم" حرف نفي وجزم وقلب.
{تَرَ}: فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الألف)، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{أَنَّهُمْ}: حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل، والهاء اسمها في محل نصب.
{فِي كُلِّ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَهِيمُونَ}.
{وَادٍ}: مضاف إليه مخفوض وعلامة خفضه الكسرة المقدرة على الياء المحذوفة.
{يَهِيمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة خبر أن. والمصدر المؤول من "أن وما بعدها" سد مسد مفعولي "تر".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل علة الغواية وبيان التخبط الفكري:
بعد أن قرر في الآية السابقة أن أتباعهم هم الغاوون: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ}، بيّن هنا علة هذه الغواية وأماراتها: وهو أنهم تائهون يتخبطون في أودية الكلام دون غاية رشيدة أو مبدأ ثابت.
وهذا يباين حال النبي ﷺ الذي يسير على صراط مستقيم ومنهج رباني ثابت لا يتغير ولا يتناقض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
استقرار الوحي واضطراب الشعر:
محاكمة المقاصد والثبات: الشاعر تحركه شهوته ورغبته؛ فإن رضي مدح ورفع إلى عنان السماء بالباطل، وإن غضب هجا وأنزل إلى الحضيض بالزور، تارة يطلب المال وتارة يطلب الشهرة؛ فكلامه تابع للمتغيرات والأهواء. أما النبي ﷺ فكلامه وحي يوحى، ثابت المبدأ، يدعو إلى الحق في الرضا والغضب، لا يجامل قريباً ولا يظلم عدواً. فهذا الفارق كفيل بإسقاط شبهة "الشاعرية" بالكلية.
استعارة تمثيلية؛ حيث شبه خوض الشعراء في فنون الأكاذيب والمبالغات بحال الإبل الهائمة أو المسافر الضال الذي يسير في كل وادٍ ومسلك بلا دليل ولا هدف؛ مما يجسد غياب الرؤية والضياع المعنوي.
عموم {فِي كُلِّ وَادٍ} يرسم صورة التشتت والفوضى في المشاعر والمواقف.
تدبر نعمة الهداية: ما أعظم نعمة الصراط المستقيم الذي ينقذ العقل والروح من التشتت في أودية الضلال والتناقض!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات على المبدأ ونبذ التلون والتقلب:
المؤمن صاحب مبدأ ورسالة، لا يتلون بتلون المجالس ولا يغير أقواله وقيمه تماشياً مع مصالحه الدنيوية.
ضبط العاطفة بالعقل والشرع: عدم الانجرار وراء العواطف الجياشة والتخيلات الجامحة التي تقود إلى الشطط والانحراف في القول والعمل.